▪︎ مجلس نيوز
.
يتتبع المقال تطوّر دور مدير المشروع من الجذور الهندسية والصناعية إلى المجال الإعلامي، موضحًا أن نقل المسمّى لم يواكبه دائمًا فهم حقيقي للدور. ينتقد الكاتب اختزال مدير المشروع الإعلامي في مهام السكرتارية ونقل الرسائل ب…
لم يكن مدير المشروع في بدايات الإدارة الحديثة منصبًا مرتبطًا بالإعلام أو الاتصال، بل نشأ مفهوم إدارة المشاريع وتطوّر في قطاعات الهندسة والإنشاءات والصناعة، خصوصًا مع اتساع المشروعات وتعقّد عملياتها خلال القرن العشرين، حتى أصبحت الحاجة إلى شخص يتولى التخطيط والتنسيق وإدارة الموارد والمخاطر ضرورة لا ترفًا إداريًا.
ومع تطور الأعمال، انتقل المفهوم إلى قطاعات التقنية والتسويق والإعلام والعلاقات العامة، وأصبحنا أمام مسميات متعددة، من مدير المشروع التقني إلى مدير المشروع الإعلامي، لكن انتقال المسمى بين القطاعات لم يكن يعني بالضرورة انتقال الفهم الصحيح لطبيعة الوظيفة ومسؤولياتها.
ولعل مدير المشروع الإعلامي من أكثر هذه الأدوار حساسية؛ فهو يعمل في مساحة تجمع بين توقعات العميل، وقدرات الفريق، والميزانية، والوقت، وجودة المخرجات، فضلًا عن طبيعة العمل الإعلامي الذي لا يمكن اختزاله في جداول زمنية أو قوائم مهام؛ لأنه عمل يقوم على الفكرة والإبداع وفهم الجمهور والرسالة.
وهنا يبرز السؤال: هل يكفي أن يكون مدير المشروع منظمًا للاجتماعات، ومتابعًا للمواعيد، وناقلًا لملاحظات العميل؟
أجزم بأن الإجابة لا؛ فمدير المشروع الإعلامي الناجح لا بد أن يمتلك فهمًا مهنيًا لطبيعة الإعلام والاتصال، وقدرة على قراءة احتياجات العميل وتحويلها إلى أهداف واضحة، ومعرفة بإمكانات الفريق وتخصصاته، فضلًا عن مهارات التفاوض وإدارة التوقعات واتخاذ القرار، والأهم أن يعرف متى يقبل الملاحظة، ومتى يناقشها، ومتى يقدم بديلًا أفضل منها.
ومن واقع طبيعة العمل الإعلامي، أرى أن واحدة من أبرز المشكلات تبدأ حين يتحول مدير المشروع إلى «صندوق بريد»؛ يستقبل ملاحظات العميل وينقلها حرفيًا إلى الفريق، ثم يستقبل اعتراضات الفريق ويعيد إرسالها إلى العميل، دون تحليل أو تفسير أو محاولة لتقريب وجهات النظر.
فقد يطلب العميل تعديلًا يضعف الرسالة الإعلامية، أو يطرح الفريق فكرة إبداعية تتجاوز ما اعتاده العميل، وهنا تظهر قيمة مدير المشروع؛ هل يستطيع شرح الأثر المهني للتعديل؟ وهل يمتلك الحجة لإقناع العميل بالفكرة؟ أم يكتفي بعبارة «العميل طلب» في مواجهة الفريق، و«الفريق يرى» في مواجهة العميل؟
المشكلة أن هذا الأسلوب لا يضعف جودة المخرجات فحسب، بل قد يحوّل العلاقة بين العميل والفريق إلى مواجهة مستمرة، ويجعل مدير المشروع ناقلًا للخلافات بدلًا من أن يكون مسؤولًا عن حلها.
وفي المقابل، لا يعني الدفاع عن الفريق رفض ملاحظات العميل، كما لا تعني خدمة العميل الموافقة على كل ما يطلبه؛ فالعميل شريك في تحديد الأهداف والاحتياجات، والفريق شريك في تقديم الحلول المهنية، ومدير المشروع مسؤول عن تحقيق التوازن بين الطرفين وفهمها.
ولذلك، أرى أن النموذج الأمثل يبدأ بخمس ممارسات: فهم أهداف المشروع قبل توزيع مهامه، وتحليل الملاحظات قبل نقلها، ومناقشة الفريق في الحلول لا الاكتفاء بتكليفه بالتنفيذ، وتقديم البدائل للعميل مدعومة بأسباب مهنية، ثم توثيق القرارات والتعديلات وآثارها على الوقت والتكلفة والجودة.
لكن هذه الممارسات لن تنجح إذا حُمّل مدير المشروع مسؤولية النتائج دون أن تُمنح له صلاحيات تناسبها؛ فلا يصح أن يُطالب بإدارة العميل والفريق والميزانية، بينما تُتخذ القرارات المؤثرة في مشروعه بعيدًا عنه.
وأختم بما أعتقد أنه الفارق الحقيقي بين مدير مشروع وآخر: الأول ينقل ما قيل له، والثاني يفهم لماذا قيل، وما الذي ينبغي فعله حياله، فنجاح مدير المشروع الإعلامي لا يُقاس بعدد الرسائل التي نقلها أو الاجتماعات التي عقدها، بل بقدرته على تحويل اختلاف الآراء إلى قرارات أفضل، وتحويل الأفكار إلى نتائج تحقق أهداف المشروع ونجاحه.












