▪︎ مجلس نيوز
.
يتناول المقال أهمية هندسة الإجراءات الإدارية بوصفها مدخلاً حاسماً لرفع كفاءة الأداء المؤسسي وجودة الخدمات. يوضح أن تضخم اللوائح وكثرة الموافقات لا تعني جودة أو رقابة أفضل، بل قد تتحول إلى عوائق أمام الإنتاجية وتجربة ا…
لم تعد كفاءة المنظمات تُقاس بحجم هياكلها التنظيمية، ولا بعدد إداراتها وأقسامها، ولا بكثرة اللوائح والإجراءات التي تحكم أعمالها، بل بقدرتها على إنجاز المهام وتحقيق النتائج بأقل وقت وجهد وتكلفة، مع المحافظة على الجودة والحوكمة. ومن هنا تبرز أهمية هندسة الإجراءات الإدارية بوصفها أحد المداخل الأساسية لتطوير الأداء المؤسسي والارتقاء بجودة الخدمات.
إن كثيراً من المنظمات تعاني من تراكم إجراءات إدارية نشأت عبر سنوات طويلة، وأصبحت تُمارس باعتبارها أمراً ثابتاً لا يقبل المراجعة، رغم أن بعضها فقد مبرراتها وجودتها، وبعضها الآخر تحولت إلى حلقات متكررة من الموافقات والمخاطبات والانتظار. والنتيجة أن المعاملة التي يمكن إنجازها في يوم واحد قد تستغرق أياماً أو أسابيع، ليس لصعوبة العمل، وإنما لتعقيد المسار الإداري.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فليس كل إجراء ضرورياً، وليست كل موافقة ضماناً للجودة، وليست كثرة المراجعات دليلاً على قوة الرقابة. بل إن تضخم الإجراءات قد يتحول إلى عائق أمام الإنتاجية، ويستنزف وقت الموظفين والقيادات، ويؤثر سلباً في تجربة المستفيد وثقته بالمنظمة.
إن هندسة الإجراءات الإدارية لا تعني مجرد اختصار الخطوات أو تحويل المعاملات الورقية إلى إلكترونية، بل تتطلب إعادة النظر في طريقة أداء العمل من أساسها، من خلال تحليل الإجراءات القائمة، وتحديد مواطن التعقيد والتكرار والازدواجية، وإلغاء الخطوات التي لا تضيف قيمة، وتوضيح المسؤوليات والصلاحيات، وإعادة تصميم مسارات العمل بما يحقق السرعة والكفاءة والشفافية.
ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تبدأ المنظمات بحصر إجراءاتها وتصنيفها وفق أهميتها وتأثيرها في المستفيد، ثم قياس الزمن الفعلي لإنجاز كل إجراء، وتحديد نقاط التعثر، ووضع مستهدفات واضحة للتحسين. كما يجب تمكين الإدارات التنفيذية من الصلاحيات اللازمة، بدلاً من إحالة كل قرار إلى مستويات إدارية متعددة، مع المحافظة على الضوابط الرقابية ومتطلبات الحوكمة.
ومن المهم أيضاً ألا تتحول الأتمتة الرقمية إلى وسيلة لنقل التعقيد من الورق إلى الأنظمة الإلكترونية؛ فالإجراء المعقد إذا تمت أتمتته سيظل معقداً، وإن أصبح أسرع في الانتقال بين الإدارات. ولذلك يجب أن تسبق إعادة تصميم الإجراءات عملية الأتمتة، وأن تكون التقنية أداة لتبسيط العمل لا لإعادة إنتاج البيروقراطية بصورة رقمية.
كما أن نجاح هندسة الإجراءات يتطلب ثقافة إدارية تؤمن بالتحسين المستمر، وتستمع إلى الموظف الذي يمارس العمل يومياً، وإلى المستفيد الذي يواجه صعوبات الخدمة، وتربط التطوير بمؤشرات أداء قابلة للقياس، مثل زمن الإنجاز، وتكلفة الخدمة، ونسبة الأخطاء، ومستوى رضا المستفيدين.
إن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال المنظمات من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج، ومن ثقافة كثرة الموافقات إلى ثقافة المسؤولية والمساءلة، ومن التمسك بالممارسات التقليدية إلى تبني الحلول التي تواكب متطلبات التطور المؤسسي والتحول الرقمي. فالمنظمة التي لا تراجع إجراءاتها باستمرار، قد تجد نفسها أسيرة أنظمة صممت لاحتياجات الأمس، بينما تتطلب تحديات اليوم سرعة ومرونة وكفاءة أكبر.
وختاماً، فإن قيمة الإجراء ليست في عدد مراحله، ولا في عدد التوقيعات التي يمر بها، وإنما في القيمة التي يضيفها والنتيجة التي يحققها. فهندسة الإجراءات الإدارية ليست ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة مؤسسية، وأحد مفاتيح رفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية وتحقيق التميز في الأداء المؤسسي.













