▪︎ مجلس نيوز
.
يتناول المقال العقوبات المقررة لجريمة غسل الأموال في النظام السعودي، مبينًا أن الفكرة المحورية هي تجريد الجريمة من ثمرتها عبر السجن والغرامة والمصادرة. يشرح الكاتب العقوبة الأصلية والظروف المشددة، وباب التخفيف عند الت…
عرضنا في المقالات الأربعة السابقة ماهية الجريمة وكيفية وقوع الناس فيها وصورها المتقدمة وكيفية بناء القضية ومواجهتها ويبقى السؤال المهم جدا : ماذا بعد الإدانة؟
والجواب أن نظام مكافحة غسل الأموال لا يكتفي بمعاقبة الشخص، بل يتجه إلى المال نفسه. وتلك فكرته المحورية: أن تُحرَم الجريمة من ثمرتها. فإذا بقي المال مع الجاني بعد خروجه، صارت الجريمة مشروعًا مربحًا، وصار السجن مجرد تكلفةٍ محتملة.
العقوبة الأصلية
قرّرت المادة السادسة والعشرون أن يُعاقب كل من يرتكب جريمة غسل الأموال المنصوص عليها في المادة الثانية بالسجن مدةً لا تقلّ عن سنتين ولا تتجاوز عشر سنوات، أو بغرامةٍ لا تزيد على خمسة ملايين ريال، أو بكلتا العقوبتين.
وفي هذا النصّ ثلاث ملاحظات. أولاها أن لعقوبة السجن حدًّا أدنى لا نزول عنه متى حكمت به المحكمة، وهو سنتان، خلافًا لكثيرٍ من الجرائم التعزيرية التي تُترك فيها المساحة كاملةً لتقدير القاضي. وثانيتها أن العقوبة تخييرية، فللمحكمة أن تحكم بالسجن وحده أو بالغرامة وحدها أو بهما معًا. وثالثتها أن سقف الغرامة مرتفعٌ جدًّا، وهو في ذاته رسالةٌ عن جسامة ما يراه المنظّم في هذه الجريمة.
الظروف المشددة
ترتفع العقوبة بموجب المادة السابعة والعشرين لتصبح السجن مدةً لا تقلّ عن ثلاث سنواتٍ ولا تتجاوز خمس عشرة سنة، أو غرامةً لا تزيد على سبعة ملايين ريال، أو كلتيهما، إذا اقترنت الجريمة بأيٍّ من سبعة ظروفٍ حدّدها النظام على سبيل الحصر:
ارتكابها من خلال جماعةٍ إجراميةٍ منظمة؛ أو استخدام العنف أو الأسلحة؛ أو اتصالها بوظيفةٍ عامة يشغلها الجاني أو ارتكابها باستغلال السلطة أو النفوذ؛ أو الاتجار بالبشر؛ أو استغلال قاصرٍ ومن في حكمه؛ أو ارتكابها من خلال مؤسسةٍ إصلاحيةٍ أو خيريةٍ أو تعليمية أو في مرفق خدمةٍ اجتماعية؛ أو صدور حكمٍ سابقٍ محليٍّ أو أجنبيٍّ بإدانة الجاني.
ويُلاحظ في البند الأخير أن النظام اعتدّ بالسوابق الأجنبية كما اعتدّ بالمحلية، وهو امتدادٌ يتسق مع الطابع العابر للحدود لهذه الجريمة. وأهمية هذا الحصر عمليةٌ ومباشرة: فإن لم يتحقق أيٌّ من هذه الظروف السبعة، فلا سند لتشديد العقوبة، ويبقى التقدير في نطاق المادة السادسة والعشرين.
باب التخفيف
في المقابل، فتحت المادة الثلاثون بابًا للتخفيف، فأجازت تخفيف عقوبات المادة السادسة والعشرين لتصبح السجن مدةً لا تقلّ عن سنةٍ ولا تتجاوز سبع سنوات، أو غرامةً لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو كلتيهما.
وشرط ذلك أن يبادر مرتكب الجريمة بعد علم السلطات المختصة بها بالإبلاغ بمعلوماتٍ لم يكن من الممكن الحصول عليها بطريقٍ آخر، تساعد في منع ارتكاب جريمةٍ أخرى أو الحدّ من آثارها، أو تحديد مرتكبي الجريمة الآخرين أو ملاحقتهم، أو الحصول على أدلة، أو حرمان الجماعات الإجرامية المنظمة من أموالٍ لا حقّ لها فيها.
والرسالة هنا واضحة: التعاون الجادّ المثمر له مقابلٌ نظاميٌّ محسوب، لا مجرد وعدٍ أخلاقي. وهو اعتبارٌ ينبغي وضعه في الحساب عند رسم استراتيجية الدفاع منذ اليوم الأول.
المصادرة: الأثر الأخطر
هنا يتجه النظام إلى المال ذاته. فقد قرّرت المادة الثالثة والثلاثون أنه مع عدم الإخلال بحقوق الغير حسن النية يُصادَر بحكمٍ قضائيٍّ في حال الإدانة بجريمة غسل أموالٍ أو جريمةٍ أصلية: الأموال المغسولة، والمتحصلات (فإن اختلطت بأموالٍ مكتسبةٍ من مصادر مشروعة صودر منها ما يعادل القيمة المقدَّرة لها)، والوسائط — وهي كل ما أُعدّ أو قُصد أو استُخدم فعلًا في ارتكاب الجريمة.
والأهمّ من ذلك أن المحكمة تحكم بمصادرة الأموال المرتبطة بالجريمة سواءٌ أكانت في حيازة مرتكب الجريمة أو ملكيته، أم في حيازة طرفٍ آخر أو ملكيته. أي أن المصادرة تتجاوز المتهم إلى من انتقل إليه المال.
لكنْ ثمّةَ حمايةٌ مهمة: فلا يجوز مصادرة المال متى أثبت صاحبه أنه حصل عليه لقاء ثمنٍ عادل، أو مقابل تقديمه خدمةً تتناسب مع قيمته، أو بناءً على أسبابٍ مشروعةٍ أخرى، وأنه كان يجهل مصدره غير المشروع. وهذه الحماية جوهريةٌ لكل من يتعامل في السوق بحسن نية بائع العقار، ومقدّم الخدمة، والدائن الذي استوفى دَينه. غير أن عبء الإثبات على صاحب المال لا على النيابة، وهو ما يعيدنا إلى ما تقرر في المقال السابق: أن الوثيقة هي الحصن.
وقد قرّرت المادة الرابعة والثلاثون أن تحكم المحكمة بالمصادرة دون أن تستند إلى إدانة في حال تعذّر محاكمة مرتكب الجريمة بسبب وفاته أو هربه أو غيابه أو عدم تحديد هويته. فالهروب لا يحفظ المال، والوفاة لا تُورِّثه.
كما قرّرت المادة الخامسة والثلاثون أنه إذا لم تعد الأموال متوافرةً للمصادرة أو تعذّر تحديد مكانها، حُكم بمصادرة أموالٍ أخرى يملكها مرتكب الجريمة تعادلها في القيمة؛ وكذلك إذا كانت قيمة المتحصلات المحكوم بمصادرتها أقلّ من قيمة المتحصلات الناشئة عن الجريمة الأصلية، صودر من أمواله الأخرى ما يكمل الفرق. ومعنى ذلك أن تصفية المال أو إنفاقه لا يُنجي صاحبه، وإنما ينقل المصادرة إلى مالٍ آخر نظيف.
منع السفر والإبعاد بعد تعديل 1447هـ
من أحدث ما استجدّ في هذا النظام ما تضمّنه قرار مجلس الوزراء رقم (748) وتاريخ 26/10/1447هـ من تعديلٍ لعددٍ من مواده، ومنها المادة الثامنة والعشرون، فأصبحت تقضي بأن يُمنع السعوديُّ المحكوم عليه بعقوبة السجن في جريمة غسل أموالٍ من السفر خارج المملكة مدةً مماثلةً لمدة السجن المحكوم عليه بها؛ وأن يُبعَد غيرُ السعودي عن المملكة بعد تنفيذ عقوبته، ويُمنع من دخولها إلا لأداء مناسك الحج أو العمرة وفقًا للأحكام المنظمة لذلك.
وهذا أثرٌ بالغ الوقع عمليًّا؛ فالمحكوم عليه بخمس سنواتٍ سجنًا لا تنتهي مشكلته بانقضائها، بل يبقى ممنوعًا من السفر خمس سنواتٍ أخرى أي عقدًا كاملًا من حياته.
عقوبة الشخص الاعتباري
أفردت المادة الحادية والثلاثون حكمًا خاصًّا للشركات والكيانات، فقرّرت — مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجنائية للشخص الطبيعي — أن يُعاقب الشخص ذو الصفة الاعتبارية الذي يرتكب جريمة غسل الأموال بغرامةٍ لا تزيد على خمسين مليون ريال ولا تقلّ عن ضعف قيمة الأموال محل الجريمة. ويجوز فوق ذلك منعه دائمًا أو مؤقتًا من مزاولة النشاط المرخص له به بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة، أو إغلاق مكاتبه التي اقترن استخدامها بارتكاب الجريمة، أو تصفية أعماله.
ولنتأمل دقّة الصياغة في الحدّ الأدنى: ضعف قيمة الأموال محل الجريمة. فإذا كانت الأموال عشرة ملايين، فالحدّ الأدنى للغرامة عشرون مليونًا أي أن العقوبة صُمّمت لتجعل الجريمة خاسرةً بالضرورة لا مربحةً باحتمال.
لماذا كل هذه الشدة؟
قد يبدو هذا التشدد مبالغًا فيه لمن ينظر إلى الواقعة بوصفها حوالةً بين حسابين، لكن النظرة تختلف حين يُرى الأثر الكلي. فغسل الأموال لا يضرّ ضحيةً بعينها فحسب، بل يضرّ الاقتصاد كله: يُدخل أموالًا غير مشروعةٍ في السوق فيخلق منافسةً غير عادلة تُخرج التاجر النزيه لأنه لا يستطيع مجاراة من لا يبالي بالخسارة، ويرفع أسعار الأصول بما يضرّ المواطن العادي، ويُفسد البيانات الاقتصادية التي تُبنى عليها القرارات، ويمنح الجريمة المنظمة قدرةً على التمدد لأنها تستطيع الانتفاع بعوائدها.
والأموال المقصودة هنا ليست النقد وحده؛ فقد عرّفت المادة الأولى «الأموال» تعريفًا بالغ الاتساع يشمل الأصول والموارد الاقتصادية والممتلكات أيًّا كانت قيمتها أو نوعها أو طريقة امتلاكها، ماديةً أو غير مادية، منقولةً أو غير منقولة، والوثائق والصكوك والحوالات وخطابات الاعتماد، والنظم الإلكترونية والرقمية، وجميع أنواع الأوراق التجارية والمالية وما ينتج عنها من فوائد أو أرباح. فالحديث عن غسل الأموال ليس حديث بنوكٍ فحسب، بل حديث عقارٍ وتجارةٍ وشركاتٍ وأفراد.
معركة المحامي هنا معركتان لا واحدة
حين تصل القضية إلى هذه المرحلة، يخوض المحامي معركتين متوازيتين: واحدةً على مقدار العقوبة، وأخرى على المال.
في الأولى، أهمّ ما يُعنى به الدفاع منع انزلاق الوصف من المادة السادسة والعشرين إلى السابعة والعشرين؛ فالفرق بينهما خمس سنواتٍ في الحدّ الأعلى ومليونا ريالٍ في الغرامة. وظروف التشديد محصورةٌ في سبعةٍ لا ثامنَ لها، فيلزم مناقشتها واحدةً واحدةً ونفي انطباقها، ولا سيما ظرف «الجماعة الإجرامية المنظمة» الذي كثيرًا ما يُوصف به تعدد الأشخاص وإن لم يقم بينهم تنظيمٌ ولا اتفاقٌ مسبق.
وفي هذه المعركة يقع أيضًا قرارٌ دقيق: متى يُستعمل باب التخفيف في المادة الثلاثين؟ فهو مشروطٌ بمعلوماتٍ لم يكن ممكنًا الحصول عليها بطريقٍ آخر، وقيمته تتناقص كلما تأخّر. وهو قرارٌ لا يُتخذ ارتجالًا، لأن الإدلاء بمعلوماتٍ لا ترقى إلى الشرط قد يضرّ دون أن ينفع.
وفي المعركة الثانية معركة المال يظهر دورٌ لا يقتصر على المتهم وحده. فحماية الغير حسن النية من المصادرة قائمةٌ بنصّ المادة الثالثة والثلاثين، لكنها معلّقةٌ على إثباتٍ يقع عبؤه على صاحب المال: أنه حصل عليه بثمنٍ عادلٍ أو خدمةٍ متناسبةٍ أو سببٍ مشروع، وأنه كان يجهل مصدره. وكثيرًا ما يجد بائعُ عقارٍ أو مقاولٌ نفسه طرفًا في نزاعٍ لا ناقة له فيه ولا جمل، فيكون عمل المحامي إثبات حسن النية بالأوراق لا بالادعاء.
ومن واقع الممارسة: تُبنى ملفات التخفيف متأخرةً في الغالب، وهذا خطأ. فما يُقدَّم في مرحلة الحكم من مستنداتٍ ونظافة سجلٍّ وتفسيرٍ للظروف كان ينبغي أن يُجهَّز منذ أول محضر.
وإن كان لا بدّ من خلاصةٍ واحدةٍ تُحفظ فهي: لا تكن جسرًا لعبور مالٍ لا تعرف مصدره. لا تجعل حسابك ممرًّا، ولا اسمك ستارًا، ولا سجلك التجاري واجهة.
ففي النظام المالي الحديث كل حركةٍ تترك أثرًا، وكل أثرٍ يُحفظ عشر سنواتٍ على الأقل، وكل أثرٍ محفوظٍ قابلٌ للتحليل. والتحويل الذي يبدو اليوم بسيطًا عابرًا قد يظهر بعد سنواتٍ في ملف تحقيقٍ كبيرٍ لست أنت بطله، لكنك — لسوء الحظ — أحد أطرافه. والوقاية هنا أرخص من الدفاع بكثير.
وفي المقال المقبل، وهو الأخير: قراءةٌ تخصصيةٌ في أدقّ مسائل هذه الجريمة — استقلالها عن الجريمة الأصلية، ومساءلة مرتكب الجريمة الأصلية عن غسل متحصّلاتها، وانقضاء الدعوى، والدفوع الإجرائية التي لا يستغني عنها محامٍ.
المحامي
سلطان بن عمر الهيضل














