▪︎ مجلس نيوز
.
ينتقد المقال “اللغة الخشبية” التي تُكثر الألفاظ وتُغيِّب المعنى، وتُستخدم للهروب من الوضوح وتحمل المسؤولية، عبر عبارات فضفاضة لا تجيب عن الأسئلة ولا تُظهر موقفًا حقيقيًّا. ويبيّن أن خطورتها تتضاعف في المواقف الحاسمة حين تُعلَن مواقف تضامن لفظية لا تتبعها أفعال، لتتحول إلى “مواقف خشبية” جوفاء. ويخلص…
ففي مواقف لا تحتمل إلا جوابًا واضحًا وصريحًا وصادقًا، تأتيك ردود لا تجيب عن سؤالك، ولا تتفاعل مع ما تقول، ولا تمنحك ما تنتظره من مساندة.
كلمات وعبارات تبدو كأنها تقول شيئًا، وهي لا تقول شيئًا؛ كأنها خرجت من معجم اللغة الخشبية، لا تؤذيك بما تقوله، بل بما تتركه دون جواب!
ولا يقف الأمر عند الردود القصيرة؛ فقد يطول الكلام ويبقى خشبًا. هل استمعت إلى متحدث نصف ساعة، ثم سألت من بجوارك: ماذا قال؟ فيجيبك: لا أدري! نصف ساعة من الكلام، ولا شيء تستطيع أن تمسك به!
وهذه إحدى صور ما يُعرف باللغة الخشبية؛ هذه اللغة الجامدة المراوغة التي تختبئ في المنطقة الرمادية، والتي اقتحمت حياتنا، وتسللت إلى علاقاتنا على اختلاف أنواعها، وربما أفسدت بعضها.
وقريب من هذه الظاهرة الثرثرة والتشدق والتفيهق؛ فقد قال النبي ﷺ: « وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ». وهي آفات تلتقي مع اللغة الخشبية في تضخم اللفظ على حساب المعنى، وإن لم تكن هي المفهوم نفسه.
غير أن ثمة مفارقة تستحق التأمل: المتفيهق يريد أن يظهر، وصاحب اللغة الخشبية يريد أحيانًا أن يختفي!
وللغة الخشبية قاموس حافل بالعبارات الفضفاضة التي تُغرق المعنى في الغموض، وتُخفي الفاعل وراء الكلمات: «تقرر اتخاذ الإجراءات اللازمة»، و«لوحظ وجود بعض التجاوزات»، و«سيتم التعامل مع الموضوع وفق الإمكانات والظروف والمتغيرات». فمن قرر؟ ومن تجاوز؟ وما الإجراءات؟ ومتى ستُتخذ؟
أسئلة تبقى معلّقة، ويخرج السائل خالي الوفاض، ممتلئًا بالهواء!
وقد تُستخدم اللغة الخشبية لإخفاء الحقيقة، أو تأجيل إعلان الموقف، أو التهرب من المسؤولية، أو ترك المستمع حائرًا بين تفسيرات متعددة؛ فتصبح ملاذًا لمن يخشى الجواب المباشر، أو ستارًا لهيبة مصطنعة تمنع صاحبها من أن يقول ببساطة: «لا أعرف»، أو «لا أريد».
وقد يُظن أن هذا ضرب من الكياسة وحسن التلطف، وليس الأمر كذلك؛ فالدبلوماسية تُلطّف الحقيقة، أما اللغة الخشبية فتُخفيها. وليس كل تحفظ مراوغة؛ فقد تقتضي الحكمة التريث، لكن التريث شيء، واتخاذ الغموض جوابًا دائمًا شيء آخر.
وتزداد خطورة اللغة الخشبية حين تنتقل من الإجابات اليومية إلى المواقف الحاسمة؛ فهناك من يعلن تضامنه بعبارات لا تنتهي، ويؤكد عمق العلاقات وحرصه على الأمن والاستقرار، ويكرر أن الظروف تستدعي التشاور والتنسيق، بينما يظل السؤال الأهم بلا جواب: ما موقفه؟
وهنا تتجاوز هذه اللغة حدود الكلام إلى مواقف خشبية؛ تُعلن التضامن، ولا تُظهر المساندة.
ومن كانت لغته خشبية، ومواقفه خشبية، فما هو إلا خشبةٌ مسنّدة؛ لها هيئة الحضور، ولكنها لا تسند أحدًا.
وإذا كانت اللغة الخشبية صناعةً يتقنها البعض، فإن الصدق في القول والفعل نهجٌ عرفته المملكة العربية السعودية؛ تشهد له المواقف، وتصدّقه الأفعال. فهي لا تُعرف بكثرة البيانات، بل بما يسبق البيانَ من فعل، وما يبقى بعده من أثر.
وحين تشتد الأزمات، تكون مساندتها كالماء للأرض العطشى؛ تصل حيث تعظم الحاجة، ويظهر أثرها.
وهنا يتجلى البَون بين كلام يملأ الفراغ، وكلام يُحدث فرقًا ويبني واقعًا.
فالكلمة التي لا يتبعها فعل، خشبةٌ وإن اخضرّت حروفها.














