▪︎ مجلس نيوز
.
يوضّح المقال أنّ جريمة غسل الأموال لا تقتصر على العصابات وأصحاب الثروات، بل قد يقع فيها موظفون وطلاب وأصحاب مؤسسات صغيرة عندما يتيحون حساباتهم أو سجلاتهم أو أسمائهم لتمرير أموال مجهولة المصدر مقابل عمولة أو مجاملة ظاهرية. ويبيّن أن الجهل لا يُعدّ دائمًا عذرًا؛ إذ يُستدل على العلم من الظروف والملابسا…
بيّنّا في المقال الأول أن جريمة غسل الأموال تقوم على فعلٍ مادي ومالٍ متحصَّلٍ من جريمة وعلمٍ بذلك وقد يظنّ القارئ أن هذا شأنٌ يخصّ أصحاب الأموال وشبكات التهريب.
وهذا الظنّ هو أخطر ما في الأمر.
فالواقع العملي يقول إن كثير ممن يجلسون على كراسي التحقيق في هذه القضايا ليسوا هم من ارتكب الجريمة الأصلية هم موظفون بسطاء وطلاب وأصحاب مؤسساتٍ صغيرة ومندوبون ووسطاء عقاريون وأصحاب متاجر إلكترونية أشخاصٌ لم يسرقوا ولم يحتالوا لكنهم بوعيٍ أو بغير وعي فتحوا طريقًا لمالٍ لم يكن ليعبر بغيرهم.
الباب الأوسع: الحساب المستعار
أشهر صور الوقوع في هذه الجريمة أن يستخدم الجاني حساب شخصٍ آخر والعبارات المستعملة معروفةٌ ومتكررة: «استقبل هذا المبلغ وحوّله لي ولك نسبة»، أو «حسابي عليه مشكلة، استلمها عني»، أو «هذه تجارةٌ بسيطة لا تقلق»، أو «أنا خارج البلاد ولا أستطيع الاستلام».
ومن يعطي حسابه يظنّ أنه يساعد صديقًا أو قريبًا، وهو في الحقيقة قد أدّى الدور الأهمّ في الجريمة كلها: إخفاء المستفيد الحقيقي فطلب شخصٍ منك استقبال أموالٍ في حسابك ثم تجزئتها وتحويلها لعدة أشخاص قد يعرّضك للعقوبة لاحتمال ضلوعك في غسل أموال وهذا التصرف تحديدًا يجد وصفه في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من نظام مكافحة غسل الأموال، التي جعلت التسهيل والتستّر وتأمين المساعدة صورًا من صور الاشتراك في الجريمة فصاحب الحساب ليس بمنأى لأنه لم يرتكب الجريمة الأصلية؛ إذ يكفي في حقه أن يكون قد سهّل.
العمولة: أخطر تفصيلٍ في الملف
قد يبدو أخذ مئة ريالٍ أو مبلغ قليل أو كثير مقابل تحويلٍ عابرٍ أمرًا تافهًا. وهو في ملف التحقيق ليس تافهًا أبدًا.
ذلك أن العمولة تنفي المجاملة وتُثبت المقابل. فحين يقول المتهم إنه ساعد صديقًا، يكون السؤال المنطقي: ولماذا أخذت مقابلًا على مساعدة صديق؟ ومن الذي يدفع عمولةً على تحويلٍ مشروعٍ يستطيع إجراءه بنفسه مجانًا؟
فالعمولة تُحيل الفعل من معروفٍ اجتماعيٍّ إلى خدمةٍ متفقٍ عليها بأجر وهي من أوضح القرائن على أن مقدّم الخدمة كان يعلم أو كان ينبغي أن يعلم أن ما يفعله ليس عاديًّا وأسهل مالٍ هو غالبًا أخطر مال.
هل الجهل يعفي؟
هذه أدقّ نقطةٍ في الموضوع وأكثرها التباسًا والجواب المختصر أن العلم ركنٌ في الجريمة، لكن إثباته لا يحتاج إلى اعتراف.
فالنظام يشترط في الفقرتين (1) و(2) من المادة الثانية أن يكون الفاعل عالمًا بأن المال من متحصّلات جريمة ومعنى ذلك أن من لم يعلم حقًّا لا تقوم في حقه الجريمة. غير أن المادة الثالثة من النظام حسمت طريقة إثبات هذا العلم إذ قرّرت أن القصد والعلم والغرض يُتحقَّق منها من خلال الظروف الموضوعية والواقعية للقضية وملابساتها.
لكن المشكلة العملية أن العلم يُستدلّ عليه بالظروف لا بإقرار المتهم. والمحقق لا يسأل: هل كنت تعلم؟ وينتظر الجواب، بل يعرض الملابسات ويسأل: كيف لم تعلم؟
فإذا كان المبلغ ضخمًا لا يتناسب مع العلاقة بالمرسل وكان الطلب غريبًا والتحويل عاجلًا والعمولة قائمة والعملية متكررة فثمّة مؤشراتٌ يصعب معها الادعاء بالجهل التام.
وقد استقرّ في التعامل مع هذه الجرائم مفهوم «التجاهل المتعمَّد»: أن يمتنع الشخص عن السؤال لا لأنه لا يعرف بل لأنه لا يريد أن يعرف ومن أغمض عينيه اختيارًا عن أمرٍ ظاهرِ الريبة لا يُقبل منه أن يحتجّ بأنه لم يرَ.
فالجهل قد يكون دفاعًا إن كان حقيقيًّا معقولًا مدعومًا بالظروف أما الجهل المصطنع أمام مؤشراتٍ صارخة فهو في التحقيق قرينةٌ على صاحبه لا له.
ضحيةٌ ومتهمٌ في آنٍ واحد
من أقسى صور هذه القضايا أن يجتمع الوصفان في شخصٍ واحد.
تصوّر شابًّا يبحث عن عمل فيصله عرضٌ لوظيفة «ممثل مالي» أو «وسيط تحويلات» في شركةٍ أجنبية ومهمته استقبال مبالغ في حسابه الشخصي وتحويلها وفق التعليمات مقابل نسبة هو يظنّ أنه وجد وظيفة وهو في الحقيقة استخدم حسابا تُمرَّر عبره أموال ضحايا الاحتيال.
الشاب هنا مخدوعٌ فعلًا لكن حسابه استُخدم في الجريمة واسمه ظاهرٌ في السلسلة والضحايا يشيرون إليه. فيقضي شهورًا يحاول إثبات أنه لم يكن يعلم والدرس أن الوعي يحمي قبل الوقوع لا بعده فإن كانت العملية غير مفهومة فالتوقف واجب، وإن كان المال لا يخصّك فلا تستقبله، وإن طُلب حسابك فارفض.
أبوابٌ أخرى تُطرق كثيرًا
الحساب البنكي ليس الباب الوحيد. فهناك السجل التجاري: أن تُفتح مؤسسةٌ باسم شخصٍ ويديرها غيره، وهذه ليست شراكةً بل واجهة وصاحب السجل مسؤولٌ نظامًا عن كل ما يدخل حساباتها ويخرج منها.
وهناك الشراء بالاسم: أن يشتري المرء عقارًا أو سيارةً باسمه لصالح من يريد ألا يظهر اسمه وهذا هو التعريف العملي لإخفاء المستفيد الحقيقي، وهو داخلٌ في الفقرة (3) من المادة الثانية التي أثّمت إخفاء ملكية الأموال أو تمويهها والمستفيد الحقيقي عرّفته المادة الأولى من النظام بأنه الشخص الطبيعي الذي يملك أو يمارس سيطرةً فعليةً نهائيةً مباشرة على العميل أو على الشخص الطبيعي الذي تُجرى المعاملة نيابةً عنه.
وهناك التوقيع على عقودٍ صورية: عقد بيعٍ لا بيع فيه، أو إقرار دَينٍ لا دَين فيه وهو من قبيل تمويه مصدر المال وطريقة التصرف فيه، المؤثَّم في الفقرة (3) من المادة الثانية. وهناك المحافظ الرقمية، وهي اليوم من أسرع الوسائل وأكثرها استعمالًا في تجزئة المبالغ وتمريرها.
إذا اكتشفت أنك استُخدمت
إذا أدرك المرء متأخرًا أن حسابه استُخدم، فالتصرف الصحيح يبدأ فورًا: يوقف التعامل نهائيًّا مهما كان الضغط أو الوعد ويجمع المستندات كاملةً من محادثاتٍ ورسائل وأرقام حساباتٍ وتواريخ عمليات، ولا يحذف شيئًا فحذف المحادثات ولو بحسن نية يُقرأ لاحقًا إخفاءً للأدلة ثم يبادر إلى الإبلاغ لدى مصرفه أو الجهة المختصة ويطلب المشورة القانونية ,
فالتوقيت في القضايا المالية مهم ومن يبادر ويشرح ويقدّم الأدلة يختلف تمامًا عمّن يختفي أو يحذف أو يبدّل روايته والحقيقة قد تُنقذ صاحبها أما محاولة ترقيع الخطأ فقد تصنع شبهةً أكبر من الخطأ نفسه.
اللحظة التي يصنع فيها المحامي الفارق
في هذه القضايا تحديدًا قد يكون أثمن ما يقدّمه المحامي لا يقع في قاعة المحكمة بل في الساعات التي تسبق أول محضر للتحقيق
فحقّ المتهم في الاستعانة بوكيلٍ أو محامٍ للدفاع عنه في مرحلتي التحقيق والمحاكمة مكفولٌ بالمادة (الرابعة) من نظام الإجراءات الجزائية غير أن أكثر الناس يستعملون هذا الحقّ بعد أن يكونوا قد أدلوا بأقوالهم كاملةً والفارق العملي أن الموكل الذي يدخل التحقيق مستعدًّا يهرف بما يجيب ومعه كشوف حساباته وتواريخه ومستنداته مرتبةً أما من يدخل مرتجلًا فيقع في ثلاثٍ يصعب إصلاحها: تقديرُ أرقامٍ من الذاكرة تظهر لاحقًا مخالفةً للكشف وتبريرٌ مرتجلٌ ينكشف بورقة وروايةٌ تتبدل بين محضرٍ وآخر فتذهب معها مصداقيته كلها.
ومن واقع الممارسة: أكثر ما يضرّ الموكل في هذه المرحلة تصرفان يظنّهما إصلاحًا حذفُ المحادثات وجميع ما يتعلق بالموضوع أو تحويلُ المبلغ إلى طرفٍ ثالث «تخلّصًا منه». وكلاهما يُقرأ إخفاءً. والصمت المؤقت حتى تُراجَع الأوراق أسلم من الكلام غير المستعدّ له.
وخلاصة القول إن غسل الأموال ليس جريمة أثرياء بل جريمةٌ تبحث عن حساباتٍ نظيفةٍ وأسماءٍ بلا سوابق. والحماية تبدأ من ستّ قواعد: لا تستقبل مالًا لا تعرف سببه، ولا تحوّل نيابةً عن أحد، ولا تعطِ أحدًا حسابك أو سجلك التجاري، ولا توقّع عقدًا صوريًّا، ولا تشترِ شيئًا باسمك لمن يريد إخفاء اسمه، ولا تقبل عمولةً مقابل تمرير المال.
المحامي /
سلطان بن عمر الهيضل














