▪︎ مجلس نيوز
.
يتناول المقال التحول الاستراتيجي في مركز القيادات الأكاديمية من نهج “تدريب القيادي” إلى بناء مسار مهني متكامل للقيادة الجامعية، يبدأ باكتشاف المواهب القيادية وقياس جاهزيتها، ثم تطويرها عبر مستويات متدرجة حتى الوصول إلى القيادات العليا، مع استمرار دعمها بعد تولي المناصب. ويؤكد المقال أهمية أن يصبح ال…
يمثل التجديد الاستراتيجي لدى مركز القيادات الأكاديمية تحولًا جوهريًا في فلسفة تطوير القيادات الجامعية، نحو نموذج مؤسسي متكامل يجعل من القيادة الأكاديمية قدرة استراتيجية متجددة، وأداة للتحول المؤسسي، ومحركًا لصناعة المستقبل في مؤسسات التعليم العالي. فالتغيرات المتسارعة التي يشهدها التعليم العالي، وما يصاحبها من تحولات في طبيعة المعرفة، وأنماط التعلم، والتحول الرقمي، ومتطلبات الجودة والحوكمة، وتنامي دور البيانات في صناعة القرار، تفرض إعادة النظر في مفهوم القيادة الجامعية وأدوات بنائها وتطويرها؛ وامتلاك رؤية استراتيجية، وقدرة على الاستشراف، ومهارات متقدمة في إدارة التغيير، واتخاذ القرار المبني على الأدلة، وإدارة المواهب، وبناء فرق العمل، والتعامل مع التعقيد والأزمات، فضلًا عن امتلاك منظومة قيمية راسخة توجه ممارسته القيادية نحو النزاهة والمسؤولية والعدالة والشفافية وتحقيق المصلحة المؤسسية.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن ينطلق التجديد الاستراتيجي للمركز من إعادة بناء دورة حياة القيادة الأكاديمية؛ إبتداءاً بمرحلة اكتشاف المواهب القيادية الواعدة، وتحديد إمكاناتها، وقياس جاهزيتها، ثم تصميم مسارات تطويرية تتناسب مع مستوياتها واحتياجاتها، وصولًا إلى تأهيلها للمناصب القيادية، ومواصلة تطويرها بعد توليها المسؤولية، بما يضمن استدامة التعلم القيادي وتراكم الخبرة المؤسسية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تتشكل منظومة متدرجة للقيادات تبدأ بـالقيادات الواعدة، ثم القيادات الناشئة، فالقيادات الوسطى، وصولًا إلى القيادات العليا، من خلال مسارًا مهنيًا متكاملًا يتطور مع تطور المسؤوليات القيادية وتعقيداتها. ومن شأن هذا التمييز أن ينقل المركز من منطق “تدريب القيادي” إلى “بناء المسار القيادي”، ومن التركيز على المدخلات التدريبية إلى التركيز على نتائج التطوير وأثره في أداء الأفراد والمؤسسات. كما يتطلب التجديد الاستراتيجي الانتقال من استهلاك المعرفة القيادية إلى إنتاج المعرفة وتوطينها؛
وهنا تبرز أهمية إنشاء مختبر للقيادة الجامعية يعمل بوصفه مساحة بحثية تطبيقية لدراسة التحديات الواقعية التي تواجه القيادات، واختبار النماذج والممارسات القيادية، وتصميم الحلول، وتجريب المبادرات قبل تعميمها، ثم تقويم نتائجها وقياس أثرها، بما يجعل العلاقة بين البحث والممارسة علاقة تفاعلية مستمرة. ويستدعي ذلك كذلك بناء منظومة متقدمة للقياس والتقييم تتجاوز قياس رضا المشاركين عن البرامج إلى قياس ما اكتسبوه من معرفة ومهارة، وما طرأ على ممارساتهم القيادية من تحول، وما تحقق من أثر على مستوى الوحدة الأكاديمية والكلية والجامعة؛ ومن هنا يمكن للمركز تطوير أطر للكفايات القيادية، وأدوات لقياس الجاهزية القيادية، ومؤشرات لنضج القيادة الجامعية، وآليات للتقييم متعدد المصادر، بما يوفر قاعدة موضوعية لصناعة القرار المتعلق باختيار القيادات وتطويرها.
كما يمكن أن يسهم المركز في تأسيس مرصد بحثي للقيادة الجامعية يتابع الاتجاهات والتحديات والممارسات المستجدة في القيادة الأكاديمية محليًا ودوليًا، ويحول البيانات والدراسات إلى سياسات وأدلة ممارسة تساعد صناع القرار والجامعات على استشراف احتياجات القيادة المستقبلية. ويكتمل هذا التوجه من خلال بناء شراكات استراتيجية مع الجامعات والأقسام العلمية المتخصصة ومراكز البحث والخبرات الوطنية والدولية، بحيث تصبح الشراكة وسيلة لتكامل المعرفة والخبرة والتطبيق، والقدرة على الوصول إلى القيادات وفهم تحديات الممارسة. وبهذا المعنى، فإن التجديد الاستراتيجي يمثل تحولًا في نموذج عمل المركز ودوره المؤسسي؛ تشمل منظومة وطنية متخصصة في اكتشاف القيادات، وبناء قدراتها، وإنتاج المعرفة القيادية، واستشراف المستقبل، ودعم القرار، وقياس الأثر، وصناعة التحول المؤسسي، والقدرة على استباق التغير، وقراءة المستقبل، وتوجيه الموارد، وإدارة التحولات، وبناء ثقافة مؤسسية قادرة على التعلم والتجدد.
ومن هنا يصبح التجديد الاستراتيجي للمركز استثمارًا في الإنسان والمؤسسة والمستقبل، وأحد المداخل المهمة لبناء قيادات جامعية وطنية قادرة على قيادة التحول وتحقيق أثر مستدام في منظومة التعليم العالي.













