▪︎ مجلس نيوز
.
المقال يشرح كيف استعار الإنسان من عالم الحيوان أفعالاً وحركات دخلت في لهجاتنا العربية اليومية، مع أنّ أصلها فصيح ورد في المعاجم القديمة، مثل: “ينقنق”، “يقبع”، “يهاوش”، “يجتر”، “يتبطح”، وغيرها. ويبيّن الكاتب أن هذه الأفعال كانت توصف بها الحيوانات أولاً، ثم نُقلت مجازاً لسلوك الإنسان ودقّة تعبيره، وصو…
لماذا يقتبس الإنسان بعض أفعال الحيوان؟
تزخر لهجاتنا ولغتنا العربية بأفعال وحركات استعرناها من عالم الحيوان لنعبر بها عن أحوالنا اليومية بنوع من الطرافة والدقة اللغوية الصادمة . فعندما نغوص في أصل كلماتنا الدارجة، نكتشف كم هي فصيحة ومأخوذة مباشرة من طبائع الحيوان .
وإليك تأصيل خمسة وعشرين فعلاً شائعاً نستخدمها دائماً :
أولاً : يزقح (زقح)نقول في عاميتنا إذا سُئلنا عن الحال: “أزقح” للتعبير عن قمة الحيوية والنشاط. وفي المعاجم العربية، يُقال: “زَقَحَ القِردُ” إذا نزق ولعب وبدا شديد الفرح والسرور، فنقلنا هذا الفعل للإنسان إذا كان مبتهجاً ومستمتعاً بحاله.
ثانياً : يتنطح (نطح)نقول في كلامنا: “فلان يتنطح للمهمات” أو نقول ” انطح فالك “. وأصل هذا الفعل لغوياً مأخوذ من “نطح الكبش أو التيس” إذا ضرب غيره بقرنه، واستعرناه للإنسان للدلالة على المواجهة المباشرة، والاندفاع بقوة والتصدي للأمور بشجاعة.
ثالثاً : ينقنق (نقنق)شائعة جداً في لغة الأكل حين نقول: “فلان ينقنق في طعامه” أي يأكل قليلاً من هنا وهناك. وفي القاموس، “النقيق” هو صوت الضفادع أو الدجاج. واستعير الفعل للإنسان الذي يتردد في أكله ويقضم لقمات صغيرة متباعدة في انتقائه لطعامه.
رابعاً : يقبع (قبع)نردد دائماً : “فلان قابع في بيته لا يخرج”. وفي أصل المعاجم، يُقال: “قَبَعَ القنفذُ أو الخنزير” إذا أدخل رأسه في جلده وانقبض وتخفى عن الأنظار. فاستعرنا الفعل للإنسان المنعزل الذي يلزم مكانه ويرفض الاختلاط بالناس.
خامساً : يهاوش (هاوش)نستخدمها عامياً بمعنى يخاصم أو يصيح في وجه أحد. والفعل فصيح جداً، وجاء في لسان العرب: “الْهَوْشَةُ هي الفتنة واختلاط والتباس الأصوات”. وأصلها مأخوذ من “تهاوش السباع أو الكلاب” إذا اختلطت وأصابتها الفوضى عند الهياج. ويشهد له الأثر القائل : (إيَّاكُمْ وَهَوْشَاتِ الأسْواقِ).
سادساً : ينقر (نقر)نقولها بكثرة للشخص الذي يأكل لقمة صغيرة جداً ويقوم سريعاً: “أنت تنقر نقر كأنك عصفور”. وأصل الكلمة من “نقر الطير” للحَبّ بمنقاره سريعاً، واستعيرت للإنسان الذي لا يأكل من الوجبة إلا ما يسد رمقه بشكل خاطف وسريع.
سابعاً : يجتر (اجتر)نقول بليغاً وعامياً: “فلان يجتر ذكرياته وأحزانه”. وهذا الفعل مأخوذ من “اجترار الماشية (كالأبقار والإبل)” حيث تخرج الطعام من جوفها لتمضغه مرة أخرى في فمها ثانية. ونقلناه للإنسان الذي يعيد تقليب أحداث الماضي في عقله مراراً وتكراراً دون تجاوزها.
ثامناً : يخربش (خربش)نقولها لمن يكتب سريعاً دون عناية: “ما هذه الخربشة؟”. وأصل الفعل من “خربشة الهر أو السبع” للشيء إذا خمشه بأظافره وترك فيه آثاراً مبعثرة غير منتظمة، فشبّهنا خط الإنسان السيء على الورق بآثار مخالب القطط .
تاسعاً : ينبش (نبش)تُقال دائماً: “فلان ينبش في الماضي”. وفي المعجم، “النبش” هو حفر الدجاج أو الكلب في الأرض بمخالب لاستخراج شيء مدفون فيها. واستعرناه للإنسان الذي يبحث ويدقق ويفتش في الأسرار القديمة التي طواها الزمن. عاشراً : يخز (خز)نقول في لهجتنا: “فلان يخزني بنظرة” بمعنى يحدق فيّ بقوة. وفي المعاجم: “خَزَّهُ ببصره” أي أصابته عينه بشدة وحدق إليه تحديقاً كالسهم، وهو مأخوذ من نظر الصقر أو العقاب لرميته قبل الانقضاض عليها، ونقلناه للإنسان الذي يطيل النظر بحدة لغيره.
الحادي عشر : يدب (دب)نردد دائماً في كلامنا العامي: “فلان دَبَّ في الأكل” أي أكل بكثرة ونهم. وفي القواميس، “الدبيب” هو مشي الحشرات والزواحف ببطء وثبات على الأرض، ويُقال أيضاً لصوت مشي الدببة الثقيل. واستعير الفعل للإنسان للتعبير عن الاندفاع في تناول الطعام أو المشي الثقيل المتواصل.
الثاني عشر : يدرعم (درعم)نقول في لهجتنا: “فلان مدرعم” أي مندفع بسرعة دون تفكير. وفي الفصحى المعجمية, “الدرعمة” هي مشية الناقة أو الإبل إذا أسرعت ومشت مشياً متدافعاً متتابعاً بجرأة دون التفات حولها، فاستعرناها للإنسان المندفع الذي يدخل الأماكن أو المواضيع دون تأمل.
الثالث عشر : يبرطم (برطم)كلمة مشهورة جدا و تطلق على الأفواه المقلوبة غضباً: “فلان مبرطم وزعلان”. وفي المعاجم، “البرطمة” عبوس في انتفاخ وغيظ ومأخوذة من برطمة الإبل والخيل عندما تقلب شفتيها الضخمتين عند الغضب أو الامتناع عن السير، ونقلناها للإنسان الذي يمد شفتيه غضباً.
الرابع عشر : يهج (هج)نقول عامياً: “فلان هَجَّ من المكان” أي هرب مسرعاً، أو “هجت الإبل”. وأصل الفعل لغوياً مأخوذ من “هجيج الإبل أو النعام” إذا فزعت وانطلقت شاردة في الأرض تهرول دون هدى، واستعرناه للإنسان الذي يهرب فزعاً أو يترك مكانه فجأة.
الخامس عشر : يكرف (كرف) و هي كلمة شائعة جداً في العمل: “فلان يكرف كرفاً” أي يعمل بجهد شاق وطويل. وأصل الكلمة مأخوذ من “كرف الدابة أو الحمار” إذا شُدَّ عليه في العمل والكد والجر وسير السير الطويل الشاق بلا راحة، فاستعير للإنسان الذي يرهق نفسه بالعمل المتواصل.
السادس عشر : يلبد (لبد)نقول في كلامنا الدارج: “البد في مكانك” أو “فلان لابد في الزاوية” بمعنى كمن واختبأ. وفي لسان العرب، “لبد بالمكان” أي لصق بالأرض واختفى فيها، وهو مأخوذ من طباع الأرنب أو السبع حين يلتصق بالأرض تماماً خفية وجبناً أو استعداداً للوثوب.
السابع عشر : يلوف (لاف)نقول في كلامنا الدارج : “فلان يلوف الأكل لوف” أو “لاف البيت كله لوفاً”. وفي لسان العرب، “لافَ الحيوانُ يلوفُ” إذا أكل النبت بشدة وجمع الطعام في فمه بمشقة وجشع، فاستُعير الفعل للإنسان الذي يلتهم الطعام بسرعة ويمسك بكل ما حوله ويجمعه.
الثامن عشر : ينتر (نتر)نقول عامياً: “فلان ينتر في الكلام نتراً” أو “يتكلم بنترة” لمن يرد بجفاء وصياح غاضب وخطف في اللفظ. وفي لسان العرب والقاموس، “النتر” هو جذب الشيء بعنف وخطف سريع، وهو مأخوذ من نتر السبع أو الكلب اللحم إذا خطفه واجتذبه بحدة دفعة واحدة، فاستعرناه للإنسان في أسلوب كلامه الجاف الحاد.
التاسع عشر : يلحس (لحس)نقول في كلامنا: “فلان لحس الإناء لحساً” أو “لحس عقله”. وفي المعاجم، “اللحس” في الأصل فعل الكلب أو السبع بلسانه لأخذ أثر الطعام والشراب من الوعاء، فاستعرناه للإنسان لمن يأكل الشيء حتى نهايته أو يمسحه تماماً.
العشرون : يتبطح (تبطح)نقول في لهجتنا: “فلان متبطح في الصالة” أي مستلقٍ بكسل وخمول وتمدد طويل. وفي لسان العرب، “التبطح” هو لزوم السيل لبطن الوادي، ومأخوذ من تمدد وبروك التمساح أو الدواب الكسولة وبسط بطنها كاملاً على الأرض رغبة في الراحة، فاستعرناها للإنسان الكسول المستلقي.
الحادي والعشرون : يربض (ربض)نقول عامياً: “ارِبض في مكانك” أو “فلان رابض في بيته”. وفي المعاجم، “الربوض” في الأصل هو بروك الغنم أو الأسد وتثاقل الماشية في مرقدها ولزومها موضعها باطمئنان، فنقلنا الفعل للإنسان الجالس المتثاقل الذي لا يود التحرك.
الثاني والعشرون : يلقط (لقط)نقول : “فلان جالس يلقط الأخبار” أو “يلقط الحبّ”. وفي لسان العرب والمحيط، “اللقط” هو أخذ الدجاج أو الطيور الحب من الأرض بمنقارها حبة حبة بمهارة وسرعة، واستعرناه للإنسان للدلالة على الذكاء والخفة في جمع الأشياء، أو التقاط أطراف الأحاديث من هنا وهناك بدقة.
الثالث والعشرون : يهرف (هرف)نقول في المَثل الشائع: “يهرف بما لا يعرف” للشخص الذي يتحدث في كل شيء بغير علم. وأصل الكلمة لغوياً من “هراف الكلب أو السبع” وهو صياحه المتواصل والمندفع دون سبب واضح أو نباحه المكرر ليلاً، فاستعير للإنسان الذي يكثر من الهذيان والكلام دون وعي.
الرابع والعشرون : يكش (كش)نقول عامياً: “فلان كَشَّ من الموضوع” أي تراجع ونفر بضيق، أو “فلان كاشّ بوجهه”. وفي المعاجم، “الكش” مأخوذ من كشيش الأفعى أو الهر عند الفزع والغضب حيث تضيق وتتراجع وتظهر صوتاً ونفوراً، فنقلنا هذا السلوك للإنسان الذي ينفر ويتراجع متضايقاً من أمر ما.
الخامس والعشرون : يطامر (طامر / طمر)نقولها بكثرة في مجالسنا: “فلان جالس يطامر من مكان لمكان” أو للطفل “لا تطامر فوق الكنب” بمعنى يقفز. وفي المعاجم، “الطمر” هو قفز الفرس أو الغزال ووثوبه في الهواء دفعة واحدة، ونقلناه للإنسان الذي يكثر من القفز أو الحركة والاندفاع من مكان لآخر بصخب، ولذلك يقولون في الأمثال: “أنت طامر ونحن نطامر”.
حسناً ماذا بقي؟!
بقي القول : يا قوم هذه الأفعال -أصلاً – أطلقت على الحيوان ثم استعارها الإنسان وجعلها وصفاً لبعض حركاته وأفعاله فما رأيكم؟ و السؤال هنا كيف نتحسس كثيرا من ذكر الحيوان و نحن قد استعرنا بعض صفاته وأطلقناها على بعض أفعالنا ؛ بل إن المشرّع البليغ رسولنا الكريم ﷺ قد استعار بعض هذه الأفعال في أحاديثه الشريفة لتوجيه البشر وتصوير حركاتهم بدقة ليردعهم عن السلوكيات الخاطئة، فقال في شأن الصلاة: (لا يَقْعِي أحَدُكُمْ إقْعَاءَ الكَلْبِ)، وقال: (نهى عن نَقْرَةِ الغُرَابِ، وفَرْشَةِ السَّبُعِ). فالاستعارة من عالم الحيوان مدرسة في الفصاحة والتعبير البشري البليغ.














