▪︎ مجلس نيوز
.
حذّر استشاري أمراض الأطفال والالتهابات ومكافحة العدوى الدكتور حاتم الهاني من أن ضعف الالتزام بنظافة اليدين في المنشآت الصحية وإساءة استخدام معدات الوقاية والمضادات الحيوية يرفع خطر العدوى ومقاومة الميكروبات، مؤكدًا أن مقاومة المضادات قد تتسبب في ملايين الوفيات عالميًا، وأن الوقاية مسؤولية جماعية وثق…
كشف الدكتور حاتم محمد الهاني، استشاري أمراض الأطفال والالتهابات والأمراض المعدية ومكافحة العدوى، لـ«سبق» عن أبرز الممارسات والأخطاء التي قد تؤدي إلى انتقال العدوى داخل المنشآت الصحية، والفحوصات الأساسية والدورية للعاملين، وآلية التعامل مع التعرض المهني للدم وسوائل الجسم، إلى جانب التحديات التي تواجه العاملين في تطبيق سياسات مكافحة العدوى، وخطورة مقاومة المضادات الحيوية.
وأوضح الهاني أن من أكثر الملاحظات تكراراً في برامج المراقبة والتدقيق الداخلي ضعفَ الالتزام بنظافة اليدين في اللحظات الخمس الحرجة التي حددتها منظمة الصحة العالمية، وهي: قبل ملامسة المريض، وقبل الإجراء النظيف أو العقيم، وبعد التعرض لسوائل الجسم، وبعد ملامسة المريض، وبعد ملامسة محيط المريض.
وأشار إلى أن الدراسات العالمية تُثبت أن معدل الالتزام الفعلي في كثير من المنشآت يظل دون النسبة المستهدفة، وغالباً أقل من 40-60% في غياب التدخلات التحسينية المستمرة.
وأضاف أن الملاحظات تشمل إعادة استخدام الأدوات الحادة أو عدم التخلص منها بصورة سليمة، كالإبر والمشارط، وعدم استخدام حاويات الأمان (Sharps Containers) بالشكل الصحيح، إلى جانب الارتداء غير السليم لمعدات الوقاية الشخصية كالقفازات والكمامات، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ارتداء القفازات ذاتها بين مريض وآخر، أو لمس الوجه والهاتف أثناء ارتدائها.
وأشار إلى وجود قصور في تنظيف وتطهير المعدات المشتركة بين المرضى، كسماعات الفحص وأجهزة قياس الضغط والأسطح عالية اللمس، وعدم الفصل الصحيح بين المرضى وفق طرق انتقال العدوى سواء التلامسية أو الهوائية عند الحاجة للعزل، فضلاً عن الازدحام وقصور التهوية في بعض العيادات والمراكز الصحية مما يزيد فرص الانتقال، لا سيما للأمراض التنفسية.
وبيّن الهاني أن المشكلة الأعمق ليست غياب البروتوكولات، إذ إنها موثقة في الغالب بشكل جيد، بل تكمن في الفجوة بين المعرفة والتطبيق، مشيراً إلى أن بعض المنشآت تفتقر إلى مؤشرات أداء رئيسية واضحة تُقاس دورياً، كمعدل الالتزام بنظافة اليدين عبر الملاحظة المباشرة، ومعدل العدوى المرتبطة بالقسطرة الوريدية أو البولية، ومعدل العدوى بعد العمليات الجراحية.
وأكد أنه بدون قياس منتظم وتغذية راجعة للعاملين يصعب تحديد الفجوات وتصحيحها بفعالية، لافتاً إلى أن هذه العناصر تخضع لمتابعة ومراقبة مستمرة من وزارة الصحة ممثلةً في هيئة الصحة العامة «وقاية».
الفحوصات الدورية للعاملين الصحيين
وحول أبرز الفحوصات الأساسية والدورية التي تتطلبها معايير مكافحة العدوى للعاملين الصحيين، أوضح الهاني أن برامج صحة العاملين المعتمدة في المنشآت الصحية تشمل عادةً فحص حالة التطعيمات وتوثيقها عند التوظيف، ومنها: التهاب الكبد B مع فحص الأجسام المضادة للتأكد من الاستجابة المناعية بعد التطعيم، والحصبة والنكاف والحصبة الألمانية (MMR)، والجديري المائي (Varicella)، والكزاز والخناق والسعال الديكي (Tdap)، والإنفلونزا الموسمية سنوياً.
وتشمل كذلك فحص السل الكامن عند التوظيف، سواء باختبار الجلد (Tuberculin Skin Test) أو اختبار الدم (IGRA)، مع إعادة الفحص الدوري للعاملين في وحدات عالية الخطورة.
وأضاف أن هناك تقييماً دورياً للفئات ذات التعرض المهني للدم وسوائل الجسم، ومنهم الأطباء والممرضون وفنيو المختبر وطواقم الإسعاف وأطباء الأسنان وغيرهم، ويشمل ذلك التأكد من الحالة المناعية لالتهاب الكبد B، وتوفر بروتوكول واضح للتعامل مع أي تعرض مهني، إلى جانب الفحص الطبي الدوري العام وفق طبيعة العمل وبيئة المخاطر.
وأكد أن هذه الفحوصات جزء من برنامج صحة وسلامة العاملين (Occupational Health Program)، وليست إجراءً عقابياً، بل حماية للعامل والمريض معاً.
فحوصات الموظفين الإداريين
وعن مدى اشتراط إجراء فحوصات التهاب الكبد B وC وHIV والسل للموظف الإداري الذي لا يتعامل مباشرة مع المرضى أو الدم وسوائل الجسم، قال الهاني: «الإجابة المبدئية: لا، هذا الربط ليس على إطلاقه».
وأوضح أن معايير مكافحة العدوى المعتمدة عالمياً، كإرشادات مراكز السيطرة على الأمراض الأمريكية (CDC) ومنظمة الصحة العالمية، تُصنّف متطلبات الفحص وفق درجة التعرض المهني وليس المسمى الوظيفي فقط.
وبيّن أن الفئة الأولى، وهي فئة التعرض العالي، تشمل العاملين الذين يتعاملون مباشرة مع المرضى والدم وسوائل الجسم والأدوات الحادة، كالأطباء والممرضين وفنيي المختبر وأطباء الأسنان ومساعديهم وطواقم غرف العمليات والطوارئ، وهؤلاء تشملهم فحوصات ومتابعة أوسع، لا سيما التهاب الكبد B مع التطعيم والتأكد من المناعة، والسل.
أما الفئة الثانية، وهي فئة التعرض المنخفض أو النادر، فتشمل موظفي الاستقبال والشؤون الإدارية والمالية الذين لا يدخلون مناطق الرعاية السريرية المباشرة، وهؤلاء لا يُشترط لهم عادةً فحص روتيني إلزامي لـHIV أو التهاب الكبد C أو B، إلا في حالات استثنائية مرتبطة بسياسة المنشأة أو لوائح محلية معينة.
وأشار إلى أن فرض هذه الفحوصات على غير المعرّضين مهنياً دون مسوّغ علمي يُعد إجراءً غير مبرر من حيث كفاءة تخصيص الموارد، مؤكداً أن المعيار الصحيح دائماً هو تحليل المخاطر وفق الوظيفة وليس تعميم الفحوصات على الجميع دون تمييز.
وخز الإبر والتعرض للدم وسوائل الجسم
وفيما يتعلق بالإجراءات الفورية عند تعرض أحد العاملين لوخز إبرة أو للدم وسوائل الجسم، أوضح الهاني أن البروتوكول المعتمد يبدأ بالإسعاف الأولي فوراً من خلال غسل موقع الجرح بالماء والصابون جيداً.
وأشار إلى أنه لا يُنصح بعصر الجرح بقوة مفرطة أو استخدام مطهرات قوية مباشرة عليه؛ لأن ذلك لا يقلل الخطر وقد يضر الأنسجة، وفي حال تعرض العين أو الأغشية المخاطية تُغسل بكمية وفيرة من الماء أو المحلول الملحي.
وأضاف أن الخطوة الثانية تتمثل في الإبلاغ الفوري للمشرف المباشر وقسم مكافحة العدوى أو الصحة المهنية دون تأخير؛ لأن بعض التدخلات الوقائية كالعلاج الوقائي بعد التعرض لـHIV تكون أكثر فعالية كلما بدأت مبكراً، ويُفضل خلال ساعات قليلة لا تتجاوز 72 ساعة.
وتشمل الإجراءات أيضاً تقييم مصدر التعرض وفحص حالة المريض المصدر بموافقته لالتهاب الكبد B وC وHIV، وتقييم الحالة المناعية للعامل وتحديد الحاجة للعلاج الوقائي بعد التعرض (PEP) أو جرعة تنشيطية للقاح التهاب الكبد B، إضافة إلى التوثيق الكامل للحادثة والمتابعة المخبرية الدورية اللاحقة، عادةً عند الأسبوع السادس والشهر الثالث والشهر السادس وفق نوع التعرض.
ولفت إلى أن أبرز الأخطاء التي تزيد الخطورة تتمثل في التأخر في الإبلاغ أو الامتناع عنه خشية «الإحراج» أو الإجراءات الإدارية مما يُفوّت نافذة العلاج الوقائي، إضافة إلى محاولات الإسعاف الذاتي غير الموثقة طبياً، وعدم معرفة العامل بمكان أو آلية الإبلاغ أصلاً.
تحديات تطبيق سياسات مكافحة العدوى
وحول أبرز التحديات التي تواجه العاملين في المنشآت الصحية عند تطبيق سياسات مكافحة العدوى، أشار الهاني إلى ضغط العمل وكثرة أعداد المرضى وقصر وقت الاستشارة مما يجعل الالتزام بخطوات النظافة والتعقيم الكاملة يبدو عبئاً زمنياً في ظل الازدحام.
وأضاف أن التحديات تشمل نقص الموارد أو تذبذب توفرها أحياناً، كمعقمات اليدين والقفازات بمقاسات مناسبة والمساحات الكافية للعزل، لا سيما في المراكز الصحية الأولية مقارنةً بالمستشفيات الكبرى، فضلاً عن التصميم الهندسي لبعض المرافق الذي قد لا يراعي معايير التهوية والفصل بين المسارات النظيفة والملوثة.
وتشمل التحديات كذلك دوران الموظفين وضعف التدريب المستمر، إذ لا يكفي التدريب مرة واحدة عند التوظيف، إلى جانب غياب ثقافة الإبلاغ غير العقابية، حيث يتردد بعض العاملين في الإبلاغ عن الأخطاء أو حالات العدوى خشية المساءلة، في حين أن الإبلاغ الشفاف هو أساس التحسين المستمر.
وأضاف أن ثمة تحدياً سلوكياً مهماً يتمثل في «التطبع مع المخاطرة»، أي أن الممارسة الخاطئة المتكررة دون حدوث ضرر فوري تصبح مقبولة تدريجياً في نظر العامل، وهنا يأتي دور جولات المراقبة الميدانية والتغذية الراجعة الفورية اللطيفة لا العقابية.
مقاومة المضادات الحيوية
وأكد الهاني أن مقاومة مضادات الميكروبات تُعد اليوم من أخطر التهديدات الصحية العالمية، مشيراً إلى أنه وفق أحدث تقديرات دراسة العبء العالمي للأمراض المنشورة في مجلة The Lancet عام 2024، فإن نحو 5 ملايين وفاة ارتبطت بمقاومة المضادات الحيوية البكتيرية، منها مليون وفاة كانت ناتجة بشكل مباشر عن هذه المقاومة خلال عام 2019.
وأضاف أن الأخطر هو أن التوقعات المستقبلية تشير إلى أن مقاومة المضادات الحيوية البكتيرية قد تتسبب في نحو 39 مليون وفاة بين عامي 2025 و2050 إن لم تُتخذ إجراءات حاسمة، كما ارتفعت الوفيات المرتبطة بالبكتيريا المقاومة للميثيسيلين (MRSA) بشكل ملحوظ من نحو 57 ألف وفاة عام 1990 إلى 130 ألف وفاة عام 2021.
وأشار إلى أن منظمة الصحة العالمية أطلقت خطة العمل العالمية الجديدة لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات للفترة 2026-2036، التي تستهدف تحقيق تخفيض 10% في الوفيات المرتبطة بمقاومة المضادات الحيوية البكتيرية بحلول عام 2030، مؤكداً أن المملكة العربية السعودية إحدى الدول الرائدة في المشاركة الفاعلة في هذه المبادرة.
وبيّن أن الممارسات التي تُسهم في زيادة المقاومة تشمل: الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية دون وصفة طبية أو فحص تشخيصي مؤكد، وعدم إكمال المرضى للجرعة الموصوفة كاملة، والوصف المفرط غير المبرر من بعض الممارسين لا سيما للإصابات الفيروسية التي لا تستجيب أصلاً للمضادات الحيوية، والاستخدام غير المنضبط لها في الثروة الحيوانية والزراعة ضمن نهج الصحة الواحدة (One Health)، وضعف الالتزام بإجراءات مكافحة العدوى الأساسية مما يزيد انتقال السلالات المقاومة بين المرضى.
وأوضح أن مقاومة المضادات الحيوية ليست تحدياً سريرياً فحسب، بل عبء اقتصادي متصاعد يرفع تكلفة العلاج ويطيل مدة الإقامة في المستشفى ويستلزم أدوية أكثر تكلفة وأثقل أعراضاً جانبية، مؤكداً أن برامج الإشراف على استخدام المضادات الحيوية (Antimicrobial Stewardship Programs) باتت عنصراً أساسياً لا اختيارياً في معايير اعتماد المنشآت الصحية.
«القفازات ليست بديلاً عن نظافة اليدين»
وعن المفهوم الخاطئ الأكثر انتشاراً في مكافحة العدوى، قال الهاني إن أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً لدى العاملين والمجتمع على حد سواء هو الاستهانة بأثر غسل اليدين بالطريقة الموصى بها، والاعتقاد بأن «ارتداء القفازات يُغني عن غسل اليدين».
وأكد أن هذا خطأ شائع، موضحاً أن القفازات ليست بديلاً عن نظافة اليدين بل مكملة لها؛ فاليدان يجب أن تُغسل أو تُطهَّر قبل ارتداء القفازات وبعد خلعها مباشرة؛ لأن القفازات قد تحتوي على ثقوب مجهرية غير مرئية وتلامس أسطحاً متعددة أثناء الاستخدام.
أما لدى عامة المجتمع، فأوضح أن المفهوم الخاطئ الأكثر شيوعاً هو الاعتقاد بأن المضاد الحيوي يعالج جميع أنواع العدوى بما فيها نزلات البرد والإنفلونزا الفيروسية، وهو اعتقاد يُغذي أزمة مقاومة المضادات الحيوية.
توصيات لموظفي المراكز الصحية
وفي توصياته لموظفي المراكز الصحية، شدد الهاني على ضرورة الالتزام بالاحتياطات القياسية (Standard Precautions) مع كل مريض دون استثناء بغض النظر عن التشخيص، والمشاركة الفاعلة في التدريب الدوري وورش تحديث المعارف وعدم الاكتفاء بالتدريب التأسيسي عند التوظيف.
كما أكد أهمية الإبلاغ الفوري عن أي حادثة تعرض مهني أو ثغرة في الممارسة دون خوف من المساءلة، ضمن ثقافة تنظيمية داعمة للشفافية، والالتزام الشخصي بجدول التطعيمات الموصى به للعاملين الصحيين وتحديثه دورياً.
ودعا إلى المشاركة في جولات المراقبة والتدقيق بوصفها فرصة للتحسين لا إجراءً رقابياً، والاطلاع الدوري على تحديثات الأدلة الإرشادية الوطنية والدولية كأدلة وزارة الصحة ومعايير هيئة الصحة العامة «وقاية» ومنظمة الصحة العالمية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن مكافحة العدوى ليست مسؤولية قسم بعينه داخل المنشأة، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الإدارة العليا التي توفر الموارد والدعم، وتمر بكل عامل صحي وإداري، وتصل إلى المريض ومرافقيه، مشدداً على أن النجاح الحقيقي في تقليل معدلات العدوى المكتسبة من المنشآت الصحية يتحقق حين تصبح هذه الممارسات جزءاً من ثقافة العمل اليومية لا مجرد بند في دليل إجراءات.













