▪︎ مجلس نيوز
.
يُعدّ سد وادي جازان، الذي بدأ تنفيذه عام 1967م وافتُتح عام 1971م بسعة تخزينية تبلغ 54.2 مليون م³، مشروعًا محوريًا في تنظيم مياه السيول وحمايتها، وتوفير مياه الري وتعزيز التنمية الزراعية وتغذية المياه الجوفية في المنطقة. وتستمر حاليًا أعمال ترميم وتأهيل السد وإزالة الرسوبيات وتشغيله وصيانته بتكلفة إج…
في منطقة عرفت منذ القدم بتدفق أوديتها في مواسم الأمطار، لم يكن التحدي في وصول المياه بقدر ما كان في القدرة على الاحتفاظ بها وإدارتها والاستفادة منها، ومن هنا جاءت فكرة سد وادي جازان لتعيد صياغة العلاقة بين مياه السيول والأرض، وتحول المورد الموسمي إلى رافد للتنمية الزراعية والمائية في المنطقة.
ومنذ اكتماله أسهم السد في تنظيم مياه الوادي والحد من أخطار السيول، وتوفير المياه اللازمة للري، وتعزيز الاستفادة من الموارد المائية، ليصبح مع مرور السنوات أحد المكونات الرئيسة لمنظومة المياه والتنمية الزراعية في جازان.
وتعود جذور المشروع إلى ستينيات القرن الماضي، عندما بدأت الدراسات لتطوير وادي جازان والاستفادة من موارده المائية، قبل أن يبدأ تنفيذ السد عام 1967م، ويفتتح عام 1971م، ضمن مشروع أوسع لتنمية الزراعة وإيصال المياه إلى الأراضي المستفيدة.
ويحمل السد في بنيته أبعادًا هندسية تعكس حجم المشروع الذي أنشئ قبل أكثر من خمسة عقود؛ إذ يبلغ طوله (316) مترًا، وارتفاعه (37.80) مترًا، فيما يصل ارتفاع المفيض إلى (32.20) مترًا، وتبلغ سعته التخزينية (54.2) مليون متر مكعب، ليواصل أداء دوره في حجز مياه السيول وتنظيم الاستفادة منها.
ولم تقتصر أهمية السد على تخزين المياه، إذ ارتبط منذ إنشائه بمنظومة الري التي أسهمت في دعم النشاط الزراعي في وادي جازان، والاستفادة من المياه في ري الأراضي الزراعية، إلى جانب دوره في تعزيز تغذية المياه الجوفية، بما جعل من إدارة مياه الوادي جزءًا من دورة تنموية متكاملة تمتد آثارها إلى الأرض والإنتاج الزراعي والمجتمعات المستفيدة.
ومع امتداد عمر السد، تتواصل أعمال المحافظة على كفاءته وتعزيز قدرته على أداء وظائفه؛ إذ تشهد منشأته حاليًا تنفيذ عدد من المشاريع التي تستهدف ترميم وتأهيل كفاءة السد، وإزالة الرسوبيات من بحيرة السد، إلى جانب تشغيله وصيانته، في إطار المحافظة على جاهزية المنشأة واستدامة الاستفادة من مخزونها المائي.
وتبلغ التكلفة الإجمالية لهذه المشاريع نحو (116.524) مليون ريال، موزعة بين مشروع ترميم وتأهيل ورفع كفاءة السد بتكلفة (15.137) مليون ريال، ومشروع إزالة الرسوبيات من بحيرة السد بتكلفة (85.302) مليون ريال، ومشروع تشغيل وصيانة السد بتكلفة (16.085) مليون ريال، بما يعكس حجم الأعمال المرتبطة بالمحافظة على منشأة مائية تمتد وظائفها إلى أكثر من قطاع.
وتكتسب أعمال إزالة الرسوبيات أهمية خاصة في الحفاظ على كفاءة البحيرة التخزينية؛ إذ تمثل الرسوبيات المتراكمة مع مرور الزمن أحد العوامل المؤثرة في الطاقة الاستيعابية للخزانات، فيما تسهم أعمال التأهيل والصيانة في المحافظة على مكونات السد والمنشآت المرتبطة به ورفع جاهزيتها للتعامل مع تدفقات المياه.
وبذلك، لا تقف قصة سد وادي جازان عند لحظة إنشائه أو حجم المياه التي يحتجزها، بل تمتد إلى دورة مستمرة من البناء والتشغيل والصيانة والتأهيل، فالسد الذي شُيد للاستفادة من مياه السيول وحماية الوادي، تواصلت العناية به لضمان استمرار أثره التنموي للأجيال المقبلة.
وأحدثت بحيرة السد مع مرور الوقت مشهدًا بيئيًا مختلفًا في محيطها، أسهم في نمو النباتات وتوفير موائل للكائنات والطيور، لتتسع دائرة أثر المنشأة من الجانب المائي والزراعي إلى أبعاد بيئية وجمالية، في صورة تجسد قدرة مشاريع المياه على صناعة آثار تتجاوز أهدافها الأساسية.
وفي جازان، حيث تتجاور الجبال والأودية والسهول الزراعية والسواحل، تبدو قصة سد وادي جازان نموذجًا مبكرًا لإدارة الموارد الطبيعية وفق رؤية تنموية؛ فالمياه التي كانت تجري في الوادي موسميًا أصبحت موردًا يخضع للتخزين والتنظيم والاستثمار، فيما تحولت المنشأة مع الزمن إلى جزء من ذاكرة التنمية الزراعية والمائية في المنطقة.
وبعد أكثر من خمسة عقود على افتتاحه، يواصل السد أداء دوره من خلال منظومة تجمع التخزين والحماية والري والصيانة والتأهيل، لتبقى حكايته مرتبطة بالماء الذي يبدأ رحلته من السماء، ويمر عبر الوادي والبحيرة، ثم يصل أثره إلى الأرض والإنسان؛ في واحدة من قصص التنمية التي صنعتها إدارة المياه في المملكة.













