▪︎ مجلس نيوز
.
حذّر استشاري الطب النفسي الدكتور عبدالإله الحديثي من التعامل مع الاحتراق الوظيفي كمسألة شخصية، مؤكدًا أنه يرتبط بضغوط العمل وبيئته، وله تبعات صحية ومؤسسية واقتصادية واسعة، منها تقدير تكلفة احتراق الأطباء في الولايات المتحدة بـ 4.6 مليارات دولار سنويًا، وتأثيره في سلامة المرضى وجودة الرعاية.
حذّر استشاري الطب النفسي الدكتور عبدالإله الحديثي من التعامل مع ظاهرة الاحتراق الوظيفي باعتبارها مشكلة شخصية لدى الموظف، مؤكداً أن الدراسات تشير إلى ارتباطها بصورة أكبر بضغوط العمل المزمنة، ونقص الموارد والدعم، وخلل بعض جوانب بيئة العمل.
وأوضح الحديثي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، أن منظمة الصحة العالمية تعرّف الاحتراق الوظيفي من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: الإنهاك، والتباعد أو السلبية تجاه العمل، وتراجع الكفاءة المهنية.
وبيّن أن أبرز العوامل المرتبطة بالاحتراق الوظيفي وفق ما تدعمه الدراسات تشمل: ارتفاع عبء العمل واستمراره، وضغط الوقت، وساعات العمل والمناوبات غير المتوازنة، إلى جانب ضعف التحكم والاستقلالية، ونقص دعم المديرين والزملاء، وسوء التواصل، والصراعات والتنمر وغياب الأمان النفسي.
وأضاف أن من مسبّبات الاحتراق كذلك: الشعور بغياب العدالة في توزيع المهام والترقيات والمكافآت، وضعف التقدير المادي والمعنوي، وغموض الدور وتعارض التعليمات، والتغييرات التنظيمية المتكررة دون مشاركة الموظفين، فضلاً عن انعدام الأمان الوظيفي أو القلق المستمر بشأن النقل أو الفصل.
وأشار إلى أن تعارض متطلبات العمل مع القيم المهنية، والأعباء العاطفية المرتفعة لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم وخدمة الجمهور، إلى جانب امتداد متطلبات العمل إلى الحياة الخاصة وعدم كفاية فترات الراحة والتعافي، تمثّل عوامل أخرى تزيد من مخاطر الاحتراق الوظيفي.
مراجعة لـ25 دراسة طولية
ولفت الحديثي إلى أن مراجعة منهجية شملت 25 دراسة طولية وجدت أن ارتفاع متطلبات العمل وعبئه، إلى جانب ضعف التحكم والدعم والمكافأة والعدالة والأمان الوظيفي، ارتبط بزيادة الإنهاك، في حين برز الدعم والعدالة والاستقلالية بوصفها عوامل واقية.
وأوضح أن آثار الاحتراق الوظيفي لا تتوقف عند الموظف، إذ قد تشمل اضطرابات النوم، وأعراض الاكتئاب، والإرهاق المزمن، وآلام العضلات، ومشكلات الجهاز الهضمي، فضلاً عن ارتباطه بزيادة مخاطر بعض الأمراض القلبية والاستقلابية، وانخفاض الرضا والشعور بالمعنى المهني.
أما على مستوى المؤسسات، فتتمثل الخسائر المحتملة في انخفاض الإنتاجية، وزيادة الغياب والإجازات المرضية، وتراجع المبادرة والابتكار، وارتفاع احتمالات الأخطاء، وانخفاض رضا المستفيدين، إلى جانب تسرّب الكفاءات وارتفاع تكاليف الاستقطاب والتدريب.
القطاع الصحي.. التأثير يتجاوز الممارس
وفي القطاع الصحي تحديداً، أشار الحديثي إلى تحليل شمل 42,473 طبيباً، وجد ارتباطاً بين الاحتراق الوظيفي وارتفاع احتمالات حوادث سلامة المرضى، إلى جانب تراجع بعض مؤشرات المهنية ورضا المرضى.
كما أشار إلى دراسة اقتصادية أمريكية قدّرت تكلفة احتراق الأطباء بنحو 4.6 مليارات دولار سنوياً نتيجة ترك العمل وتقليل الساعات السريرية وحدهما، بما يعكس الأثر الاقتصادي الكبير الذي يمكن أن يترتب على هذه الظاهرة إلى جانب آثارها المهنية والصحية.
وأكد الحديثي أن دراسة الاحتراق الوظيفي في القطاع الصحي تكتسب أهمية خاصة، لأنه لا يؤثر في الممارس الصحي وحده، بل يرتبط كذلك بالغياب والتسرب الوظيفي والأخطاء وتراجع جودة الرعاية وسلامة المرضى.
وعدّد من أبرز مسبّباته في القطاع الصحي: ضغط العمل والمناوبات الطويلة، ونقص الكوادر، والأعباء العاطفية، وضعف دعم الإدارة، وقلة التقدير والاستقلالية، وغياب العدالة والأمان الوظيفي، إضافة إلى غموض المستقبل المهني والتغيّرات التنظيمية غير الواضحة.
الوقاية تبدأ من بيئة العمل
وشدّد الحديثي على أن الاحتراق الوظيفي يمثّل إنذاراً مبكراً بوجود خلل محتمل في تصميم العمل أو ثقافة المنظمة، وليس مجرد مشكلة شخصية يمكن التعامل معها من خلال دورات «إدارة الضغوط» فقط.
وأكد أن الوقاية الفعالة تبدأ من معالجة جذور المشكلة عبر ضبط أعباء العمل، وتحسين القيادة، وتعزيز العدالة والاستقلالية والدعم، مع الاستفادة من برامج مساعدة الموظفين بوصفها عنصراً مكمّلاً ضمن منظومة أوسع للوقاية.
وأشار إلى أن القياس الدوري لمستويات الاحتراق الوظيفي في القطاع الصحي يمكن أن يساعد في اكتشاف مصادر الضغط مبكراً، وحماية الممارسين، وتحسين جودة الخدمة، وتقليل الخسائر التي قد تتحملها المنشآت جراء الغياب والتسرب الوظيفي وفقدان الخبرات.














