▪︎ مجلس نيوز
.
يدعو المقال إلى التعامل مع جبال السروات (من الهدا والشفا إلى أبها مرورًا بميسان والباحة والنماص وتنومة) بوصفها وحدة جغرافية وسياحية واقتصادية متكاملة، لا وجهات متفرقة تكرر التجربة نفسها بمقاهٍ ومطاعم موسمية وخدمات محدودة. ويقترح إطلاق مشروع وطني لـ”مسار السروات السياحي” بهوية موحدة وشبكة مواصلات حدي…
لو حلّقنا فوق جبال السروات ؛ لرأينا الهدا والشفا وميسان والباحة والنماص وتنومة وأبها جواهرَ خضراء، نثرها الله على امتداد الجبل، وترك للإنسان مهمة أن ينظمها في عِقْد.
سنرى قممًا تعانق السحاب، وغابات يوقظها المطر، ومدرجات زراعية صنعتها أيدي الأجداد، وقرى تراثية تتكئ على الصخر، وزهورًا عطرية تجمع النحلة رحيقها؛ لتمنح هذه الجغرافيا أعذب شهدها.
وقد أدرك الجغرافي العربي الحسن الهمداني وحدة هذه السلسلة قبل أكثر من ألف عام، فقال عن السروات: «إنها ليست جبلًا واحدًا، وإنما هي جبال متصلة على شِقٍّ واحد».
وحفظ ياقوت الحموي هذا الوصف في معجم البلدان؛ مؤكدًا أن السروات كانت في الوعي الجغرافي العربي امتدادًا واحدًا، قبل أن تكون مدنًا وحدودًا ووجهات متفرقة.
وما رآه الهمداني اتصالًا في الجغرافيا، ينبغي أن نراه اليوم اتصالًا في التخطيط والطرق والاستثمار؛ فهذه الجبال التي جمعتها الطبيعة لا يصح أن تفرّقها المشروعات الموسمية والرؤى المتناثرة.
ومن السماء تبدو السروات مشروعًا سياحيًا مكتمل المقومات، لكنها على الأرض لا تزال تنتظر الرؤية التي تقرؤها وحدةً جغرافية واقتصادية وسياحية واحدة؛ فجمال الطبيعة وحده لا يصنع صناعة سياحية، والضباب مهما كان ساحرًا لا يبني منتجعًا، والإطلالة لا تُطيل إقامة السائح ما لم تحط بها تجربة تستقبله وتنقله وتدهشه.
هناك جهود قائمة لا يمكن إنكارها، لكنها محدودة ومتفرقة، ولم تنتظم بعد في مشروع استراتيجي شامل.
وتظهر في بعض المواقع عشوائية التخطيط، ومحدودية التنوع الاستثماري والخدمي، وندرة المنتجات السياحية النوعية، وضعف حضور المستثمر المحلي والأجنبي.
أما الأفكار ؛ فكثير منها يعيد إنتاج النموذج نفسه: مقهى على مرتفع، ومطعم بإطلالة، وأكشاك موسمية، وفعاليات متشابهة؛ حتى أصبحت بعض الوجهات تنسخ بعضها بعضًا، مع أن لكل موقع شخصيته وتاريخه ومناخه وثرواته.
ولا يقف القصور عند ضعف شبكة المواصلات التي تربط مدن السروات بعضها ببعض، بل يمتد إلى داخل كل وجهة؛ حيث لا تتنوع الطرق والمسارات بما يخدم قراها وقممها وغاباتها ومزارعها ومواقعها التراثية، ولا تساندها وسائل نقل سياحي ومواقف منظمة تكفل الوصول المريح إلى كنوزها.
فالخلل ليس في الطبيعة، بل في طريقة قراءتها؛ وليس في ندرة الفرص، بل في تشتتها وغياب المشروع الذي يجمعها.
إن السروات لا تحتاج إلى تحسين واقعها فحسب، بل إلى إطلاق الخيال أولًا؛ فكل مشروع عظيم كان صورةً في الذهن قبل أن يصبح بناءً على الأرض.
وهنا تتماهى الرؤية مع قول الشاعر والفنان الإنجليزي وليام بليك: «تُنجَز الأعمال العظيمة حين يلتقي الإنسان بالجبل»؛ فالإنسان الذي يرى في الجبل عائقًا يشقّه، أما الذي يراه فرصةً فيصنع منه وجهةً وحياةً واقتصادًا.
وهذا الخيال ليس مستحيلًا؛ فمقومات الجغرافيا موجودة، وقوة الاقتصاد حاضرة، وجاذبية السياحة فاعلة، وجذور التراث ثابتة..ولم يبقَ إلا التفعيل، وجرأة القرار، وحضور المستثمرين، ووضع خطة استراتيجية لكل موقع ضمن رؤية واحدة؛ تتخادم فيها الوجهات، وتتكامل ولا تتكرر.
فلا ينبغي أن تكون الهدا نسخةً من الشفا، ولا ميسان صورةً من الباحة، ولا النماص وتنومة تكرارًا لأبها؛ بل تُمنح كل وجهة هويتها ومنتجها: موقع للصحة والاستجمام، وآخر للمغامرات، وثالث للتراث والثقافة، ورابع للسياحة الزراعية والريفية؛ لتصبح الرحلة في السروات انتقالًا بين تجارب مختلفة، لا بين مناظر متشابهة.
والبداية تكون بمشروع وطني لـ«مسار السروات السياحي»، يبدأ من الهدا والشفا، ويمر بميسان والباحة والنماص وتنومة ، ويصل إلى أبها؛ بهوية موحدة، وخريطة رقمية، وبطاقة سياحية، وتسويق عالمي، وشبكة مواصلات حديثة تربط جواهر هذا العِقْد.
على أن يُرسم داخل كل وجهة مخطط متكامل للطرق والنقل والمواقف والتلفريك ومسارات المشي والدراجات، بما يلائم تضاريسها ويحفظ بيئتها. ويمكن لهذا المسار أن يحتضن منتجعات جبلية، ونُزلًا ريفية في القرى القديمة، ومراكز للاستشفاء، ومنصات مشاهدة، ومراصد للنجوم، ومسارات للمغامرات، ومتاحف تحكي جغرافيا السروات وتاريخها؛ على أن تكون العمارة امتدادًا للجبل، لا كتلة إسمنتية تنازعه جماله.
ولا ينبغي أن تنفصل السياحة عن اقتصاد المكان؛ فالورد والفواكه والخضراوات والبن والنباتات العطرية ومنتجات الأسر ليست سلعًا جانبية، بل نواة لمصانع تحويلية وعضوية، ومزارع سياحية، ومتاجر وتجارب تفاعلية.
فالسائح لا يريد أن يرى المكان فحسب؛ بل يريد أن يتذوقه، ويعيش حكايته، ويحمل شيئًا منه عند رحيله.
وفي قلب هذا الاقتصاد يأتي العسل بوصفه ذاكرةً سائلة للجبل؛ تختصر النحلة في قطرته رائحة الزهور، وطعم الأرض، وخصوصية المناخ..ومنه يمكن أن تنشأ مناحل نموذجية، ومتاحف ومختبرات ومهرجانات ومصانع لمشتقاته، ومسارات يتتبع فيها الزائر رحلة الرحيق من الزهرة إلى الخلية ثم إلى المائدة..فعسل السروات لا يُنتج في جبالها فقط؛ بل يسكن وجدان أهلها قبل أن يصل إلى ذائقة سائحها.
وهنا يصبح التخصيص المدروس، وطرح المواقع والفرص أمام المستثمرين في الداخل والخارج، مطلبًا تنمويًا؛ وفق خرائط استثمارية واضحة، وعقود مرنة، وحوافز جاذبة، وضوابط تحمي البيئة وهوية المكان، وتمنع تشويه الجبل أو احتكار إطلالاته.
ومتى نبدأ؟
نبدأ الآن؛ فالوجهات الجبلية الكبرى في العالم لم تتفوق علينا بجمال الطبيعة وحده، بل بجودة التخطيط، وجرأة الخيال، وتنوع الاستثمار، وتكامل التجربة.
وقد كتب عالم الطبيعة جون موير: «الجبال تناديني، ولا بد أن أذهب»؛ لكن السائح لا يكفي أن يسمع نداء الجبل، بل يجب أن يجد طريقًا يقوده إليه، وتجربة تستحق أن يبقى من أجلها، وذكرىً تدعوه إلى العودة.
والسروات لا تحتاج إلى من يكتشف جمالها؛ فجمالها ظاهر في كل قمة وغيمة وزهرة، وإنما تحتاج إلى من يتخيل مستقبلها، ويرسمه، ويموّله، ثم يبنيه؛ فالخيال ليس هروبًا من الواقع، بل النسخة الأولى من واقع لم يُنجز بعد.
وعندما يتحول الخيال إلى خطة، والخطة إلى استثمار، والاستثمار إلى تجربة؛ لن تبقى الهدا والشفا وميسان والباحة والنماص وتنومة وأبها وجهات صيفية متباعدة، بل جواهر متصلة في عِقْد واحد؛ عِقْد السياحة الصيفية السعودية، المعلّق بين الغيم والجبل، و المضمّخ برائحة الورد، والمختوم بأعذب الشهد.














