▪︎ مجلس نيوز
.
يؤكد المقال أن المزاح ليس بريئًا دائمًا، فقد يخفي خلف الضحكات أذى وجرحًا لكرامة شخص يضطر إلى التظاهر بالابتسام، خاصة في زمن تُصوَّر فيه المواقف وتُنشَر لتتحول المزحة إلى لقب جارح ووصمة مستمرة. ويضع الكاتب معيارًا واضحًا للمزاح المقبول: أن يُدخل السرور دون انتقاص أو ترويع أو إهانة، مستشهدًا بتوجيهات…
أين ينتهي المزاح… وأين يبدأ الأذى؟
يضحك المجلس كله، ويبتسم شخص واحد على استحياء. يظن الحاضرون أنه يشاركهم المزاح، ولا يعلمون أن ابتسامته ليست ضحكًا، بل محاولة للنجاة من الإحراج!
فليس كل من ابتسم راضيًا، ولا كل من ضحك سعيدًا، ولا كل من سكت قد قَبِل ما قيل فيه. وبعض الناس يعود من المجلس وفي أذنه ضحكات كثيرة، وفي قلبه كلمة واحدة لا تكف عن إيذائه.
المزاح سُكّر المجالس، ونغم بين الرفقة، وبه تنكسر حدة الجمود ويدخل السرور. لكنه كالسكر تمامًا؛ قليل منه يحلّي الحياة، وكثيره يفسدها.
وأرى أن معيار المزاح ليس مقدار الضحك الذي يصنعه، بل مقدار الكرامة التي يحافظ عليها؛ لأن المزاح الذي يحتاج إلى إنسان مجروح حتى ينجح، ليس خفة ظل، بل ثقل أذى.
وقد أصبحت القضية أكثر إلحاحًا اليوم؛ فالمزحة التي كانت تنتهي بانتهاء المجلس، صارت تُصوَّر وتُنشر وتُعاد مشاهدتها، وقد تصل إلى آلاف الناس. لم يعد الأذى كلمة يسمعها بضعة أشخاص، بل قد يصبح مقطعًا يبقى، ولقبًا ينتشر، وجرحًا له جمهور.
ومع ذلك، ما زالت عبارة «أنا أمزح» تُستعمل صكَّ براءة، وكأن النية الطيبة تمحو النتيجة المؤلمة.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مزحة: لو كنت مكانه… هل كنت ستضحك؟
ولم يمنع الإسلام المزاح؛ فقد كان النبي ﷺ يمازح أصحابه ويلاطفهم، لكنه قال: «إني لا أقول إلا حقًّا». فالمرح لا يحتاج إلى كذب، والبشاشة لا تحتاج إلى انتقاص، والضحك لا يحتاج إلى ضحية.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11]. وهنا يتضح الحد الفاصل: مزاح يُبهج ولا ينتقص، ويقرّب ولا يؤذي، ويضحك الناس من غير أن يجعل واحدًا منهم مادةً للضحك.
لكن بعض «الفرافيش» يقيسون خفة ظلهم بعدد الضحكات، لا بعدد القلوب التي حافظوا عليها. يطلق أحدهم على صاحبه لقبًا يسخر من شكله أو صفته أو طريقته في الكلام، ثم يختبئ خلف العبارة الجاهزة: «أنا أمزح».
وقد تبدأ الحكاية بكلمة، لكنها لا تنتهي عندها. يلتقطها الآخرون، ثم يصبح اللقب هويةً، والمزحة وصمةً تطارد صاحبها. ورب كلمة قالها إنسان ضاحكًا، عاش من قيلت فيه سنوات يحاول التخلص من أثرها.
والأخطر حين يتحول المزاح إلى ترويع أو أذى أو إتلاف للممتلكات، ثم يقال لمن خاف أو غضب: «لماذا لا تتقبل المزاح؟». فأي مزاح هذا الذي يحتاج إلى خوف إنسان أو سلامته أو ماله حتى يكتمل؟
وقد يقول المازح: نيتي طيبة، والطرف الآخر شديد الحساسية، ولو توقفنا عند كل كلمة لاختفى المرح من المجالس.
ولا أحد يطالب بإغلاق أبواب البهجة، لكن النية الطيبة لا تكفي حين تكون النتيجة أذى. وإذا قال إنسان: «هذا يؤلمني»، فهو لا يطلب منا مناقشة حساسيته، بل احترام حدوده. ولا يحق للمازح أن يجرح الآخر، ثم يطالبه بأن يثبت خفة دمه بالضحك على جرحه.
وكلما قلت معرفتنا بالإنسان، ضاقت مساحة المزاح معه؛ فنحن لا نعرف ظروفه ولا جراحه القديمة، وقد نقول كلمة نراها عادية فتقع على موضع ألم لا نراه. وحتى القرب لا يمنحنا حق اقتحام كل شيء.
ولهذا فأجمل قاعدة في المزاح: إذا قال لك إنسان «لا أحب هذا النوع من المزاح»… فتوقف. لا تناقشه في مشاعره، ولا تشرح له نقاء نيتك، ولا تحاول إقناعه بأن ما يؤلمه مضحك. فقط توقف.
ومسؤولية حماية كرامة الإنسان لا تقع على المازح وحده؛ فبعض المازحين يستمدون جرأتهم من ضحك الحاضرين، ولو سكت المجلس أو أظهر أحدهم رفضه، لانتهى كثير من الأذى قبل أن يصبح عادة.
وأجمل المزاح في نظري ما انتهى، وبقيت النفوس بعده أكثر صفاءً مما كانت عليه قبل أن يبدأ.
فليس معيار المزاح أن يضحك الناس، بل أن تبقى القلوب بعده سليمة؛ لأن الضحكة التي تكسر قلبًا ليست خفة ظل، وإنما أذى وجد من يصفق له.













