▪︎ مجلس نيوز
.
يحذّر المقال من تحوّل الانشغال الدائم إلى “فخ الإشغال”، حيث يصبح اللهاث وراء المهام الصغيرة وسيلة لإثبات الأهمية الاجتماعية والهروب من مواجهة الأسئلة العميقة، على حساب الإنتاجية الحقيقية وجودة الحياة. يوضح الكاتب أن ثقافة تقديس الانشغال تستنزف الصحة والعلاقات وتقتل الابتكار في المؤسسات، داعياً إلى ت…
تلتقي بصديق أو زميل مهني لم تره منذ فترة، وتبادره بالسؤال العفوي عن حاله وأخباره، فتأتيك الإجابة الجاهزة بنبرة تجمع بين الإرهاق والتباهي الخفي: “غارق في المشاغل.. لا أجد وقتاً للتنفس!”. تتكرر هذه العبارة ذاتها في ممرات الشركات، وفي المجالس الاجتماعية، وحتى على منصات التواصل؛ حتى بات الاعتراف بامتلاك وقت فراغ أو عيش ساعات من الهدوء بمثابة نقيصة مهنية أو شبهة كسل يخشى الكثيرون مجرد الإشارة إليها.
هذا التحول الثقافي اللافت يضع الوعي الفردي والمؤسسي أمام تساؤل جوهري: متى تحول الانشغال من وسيلة مؤقتة لإنجاز المستهدفات، إلى غاية قائمة بذاتها تُستخدم لإثبات الأهمية الاجتماعية والهروب من مواجهة الذات؟
إن ما يعيشه قطاع عريض في مجتمعاتنا وبيئات أعمالنا اليوم ليس طفرة في الإنتاج ولا فيضاً في الإنجازات النوعية، بل هو الوقوع الصريح في “فخ الإشغال”. يبرز هذا النمط السلوكي حين تصبح الحركة الدائمة بديلاً عن الأثر الحقيقي، وتتحول الاستجابة اللحظية للرسائل، والركض المتواصل بين المواعيد الهامشية، إلى درع نفسي يحتمي به الفرد ليقنع نفسه والآخرين بأنه رقم صعب في المعادلة، بينما الواقع يكشف عن استنزاف للطاقة دون مخرجات توازي حجم هذا الضجيج.
سيكولوجية “الوجاهة باللهاث” وفخ الهروب من العمق
دعونا نفكك هذا السلوك برصانة وتجرد: العمل الجاد، والمثابرة، وتحمل الأعباء في مواسم الضغط هي سمات المخلصين وأساس كل نجاح راسخ؛ فالصدارة لا تُنال بالاسترخاء والتمني. لكن الفارق الحاسم بين العطاء المثمر واللهاث العشوائي يكمن في “وضوح البوصلة وتحديد الوزن النسبي لكل جهد مبذول”.
حينما يعجز الفرد عن مواجهة الأسئلة الكبرى في حياته المهنية أو الشخصية، يتخذ من الانشغال مهرباً مريحاً؛ إذ يوفر امتلاء الجدول بالمهام الصغيرة شعوراً زائفاً بالأمان والإنجاز المؤقت. يُطلق على هذا الانحياز في علم السلوك “إدمان الحركة”؛ حيث يعتاد العقل على الدفقات السريعة من الشعور بالأهمية كلما رد على بريد عاجل أو حضر لقاءً طارئاً، متجنباً الخلوة الذهنية الضرورية للتفكير الاستراتيجي العميق الذي يتطلب صبراً ومواجهة لقرارات التغيير الصعبة.
ضريبة الفوضى واستنزاف “جودة الحياة”
عندما تسود ثقافة تقديس الانشغال، تصبح الخسائر الإنسانية والمهنية مضاعفة وفادحة. على المستوى الفردي، يؤدي الركض المتواصل دون توقف إلى استنزاف الطاقة النفسية والجسدية، وتلاشي الحضور الحقيقي في الدوائر الأسرية والاجتماعية، ليدخل الإنسان في نفق “الاحتراق الداخلي الصامت”. تصبح الحياة عبارة عن قائمة مهام لا تنتهي، وتتحول المتعة بالإنجاز إلى مجرد رغبة في الخلاص من عبء اليوم التالي.
أما على الصعيد المهني والمؤسسي، فإن “فخ الإشغال” هو العدو الأول للابتكار والإتقان. الموظف أو المسؤول الذي يقضي يومه في ملاحقة الطوارئ وتفاصيل التنسيق اليومي، يفقد تدريجياً قدرته على الرؤية الشاملة وصناعة الفارق. تتحول المنشأة إلى خلية نحل صاخبة تستهلك مواردها في تدوير الإجراءات الروتينية، بينما تتأخر المشاريع الاستراتيجية وتتعطل القفزات النوعية التي تتطلب تركيزاً متصلاً وهدوءاً تشغيلياً مستقراً.
حقيقة إدارية صادمة:
امتلاء جدولك بالمواعيد ليس دليلاً على نجاحك، بل قد يكون دليلاً على عجزك عن قول “لا” للمهام غير المجدية؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بعدد الساعات التي يحترق فيها، بل بحجم الأثر الرصين الذي يتركه في حياة من حوله.
🔍 إن استقراء تجارب الرواد والعلماء وصناع الأثر عبر التاريخ يثبت أن أعظم الإنجازات البشرية لم تولد وسط الضجيج والركض الأعمى، بل كانت وليدة “التركيز الانتقائي والهدوء الذهني”؛ فالقدرة على حماية الوقت الخاص وحسن توجيهه نحو الأولويات المفصلية هي الميزة التنافسية الكبرى التي تصنع الفارق بين العابرين والمؤثرين.
جودة الحياة والانتقال نحو “الإنتاجية الرصينة”
في ظل مستهدفات برنامج “جودة الحياة” ومحاور رؤية المملكة 2030 التي تؤكد على تعزيز التوازن والاتزان النفسي والاجتماعي للإنسان، أصبح من الضروري إعادة تعريف النجاح والإنتاجية في مجتمعنا. الرؤية الوطنية المباركة تستهدف بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر يقوم على الكفاءة الذكية وحسن استثمار الموارد البشرية، لا على استنزاف الطاقات في العشوائية والمظاهر المرهقة.
الانتقال نحو النضج الحياتي والمؤسسي يقتضي تبني مفهوم “الهدوء الواعي”؛ وهو القدرة على فرز الأولويات، وامتلاك شجاعة التخلي عن الأنشطة الهامشية التي تستهلك الوقت دون إضافة حقيقية. الإنسان الناضج والقائد الرصين لا يخجل من تنظيم مساحات زمنية للتأمل والتجديد؛ لأنه يدرك أن جودة القرار وعمق الأثر ينبعان من صفاء الذهن واستقرار النفس، وليس من مراكمة المشاغل لإرضاء النظرة السطحية للمحيطين.
أنسنة الإنتاج وبناء إرث المعنى
إن السمعة الشخصية والمهنية للإنسان لا تُبنى بمدى إظهار التعب والشكوى من ضيق الوقت، بل بمدى اتزان حضوره وقدرته على العطاء المؤثر في بيئته ومجتمعه. الارتقاء بأنماط حياتنا يتطلب “أنسنة الأولويات”؛ أي إعادة ترتيب بوصلة اليوم ليكون الإنسان هو الغاية، فتتقدم رعاية الأسرة، وصون الصحة، وبناء العلاقات الصادقة، على الاستغراق في معارك جانبية لا تصنع فارقاً مستداماً.
الاستثمار في بناء ثقافة قوامها التركيز على الجوهر والوضوح التام هو السبيل لحفظ شغف العطاء. عندما يتحرر المجتمع من عبء التظاهر بالانشغال الدائم، يسترد الأفراد سلامتهم النفسية وتتجه الطاقات نحو المبادرات المجدية التي تبني الوطن وتصنع التنمية الحقيقية. هكذا نكسر فخ الإشغال، وهكذا نعيش حياة ثرية بمعناها، واثقة في مسيرتها، وراسخة في أثرها الممتد.
كتيب التشغيل: 3 خطوات حاسمة للتحرر من “فخ الإشغال” واستعادة زمام وقتك:
-
تطبيق مصفوفة “الحذف والتفويض الصارم”: خصص جلسة مراجعة أسبوعية لقائمة التزاماتك، وقم بحذف أو تفويض ما لا يقل عن 20% من المهام الروتينية واللقاءات التي لا تخدم أهدافك الكبرى بشكل مباشر.
-
مأسسة “ساعات العزلة الذهنية” (White Space): جدولة فترات زمنية ثابتة أسبوعياً خالية تماماً من المواعيد والاتصالات الرقمية، مخصصة حصرياً للتفكير الاستراتيجي، القراءة العميقة، والتخطيط الهادئ.
-
التدرب على “شجاعة الرفض المهذب”: التوقف عن القبول التلقائي للطلبات والدعوات للمجاملة فقط، واستبدالها بعبارات اعتذار واضحة وراقية تحمي وقتك وطاقتك للأولويات الحقيقية.
عزيزي الممارس.. عزيزي الإنسان الطموح..
الحياة ليست سباقاً لمن يجمع مهاماً أكثر في يومه، بل هي رحلة لاختيار ما يستحق أن تبذل فيه عمرك وشغفك. فلا تجعل من وهم الانشغال قيداً يحرمك من متعة العيش ورصانة الإنجاز.
كن صاحب الأثر الهادئ الذي يتقن الصمت والتركيز، يحسم خياراته بحكمة، ويجعل من التوازن عقيدة وسلوكاً يومياً؛ واجعل من حضورك نموذجاً للإنتاجية العميقة التي تفخر بصفائها وثبات خطواتها، لتظل حاضراً بقيمتك الحقيقية، وشاهداً على نبل أثرك الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض.تذكر دائماً:
“هيبتك وقيمتك لا يصنعهما اللهاث المستمر وترديد عبارات الانشغال،
بل قدرتك على ضبط بوصلتك وصناعة الأثر الهادئ في محيطك؛ فالإنسان الذي يسجنه فخ الإشغال،
هو شخص يعيش بجسده في مركز الصخب والركض اليومي،
بينما يظل عقله وطاقته الحقيقية حبيسين في دوائر العشوائية وفقدان الاتزان”.
أحمد علي العمودي
خبير استراتيجي، مستشار تطوير الأعمال













