▪︎ مجلس نيوز
.
أوضح استشاري الطب النفسي الدكتور عبدالإله الحديثي أن خفض أعداد الطلاب بالفصول يفيد بشكل أكبر الصفوف الأولية والطلاب ذوي صعوبات التعلم والمتعثرين دراسيًا والمدارس الأقل حظًا اجتماعيًا، لكنه أكد أن حجم الفصل ليس العامل الحاسم في جودة التعليم، مشددًا على أهمية المعلم وبيئة الصف وأساليب التدريس.
أعاد استشاري الطب النفسي الدكتور عبدالإله الحديثي تسليط الضوء على أثر كثافة الفصول الدراسية، مستعرضاً أدلة وتجارب بحثية تناولت العلاقة بين أعداد الطلاب داخل الفصل والعملية التعليمية، ومشيراً إلى أن تقليل الكثافة قد تكون فائدته أكبر في الصفوف الأولية، وبين الطلاب ذوي صعوبات التعلم والمتعثرين دراسياً، وفي المدارس الأقل حظاً اجتماعياً، مع التأكيد على أن حجم الفصل وحده لا يكفي للحكم على جودة التعليم أو مخرجاته.
وأوضح الحديثي، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، أن تجربة «Tennessee STAR» العشوائية قارنت بين فصول صغيرة تضم نحو 13 إلى 17 طالباً وفصول أكبر تضم 22 إلى 25 طالباً، وأظهرت تفوق الفصول الصغيرة، خصوصاً في الصفوف الأولى ولدى الطلاب الأقل حظاً اقتصادياً.
وأشار إلى تقديرات مؤسسة «EEF» التي تفيد بأن خفض حجم الفصل قد يضيف في المتوسط نحو شهر واحد من التقدم الدراسي، إلا أن هذا الخيار مرتفع التكلفة، وتكون فائدته أكثر وضوحاً عندما يكون الفصل صغيراً بدرجة تسمح بتغيير طريقة التدريس وتقديم دعم فردي أكبر للطلاب.
وفي المقابل، أوضح أن الأدلة العامة التي تستعرضها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» بشأن أثر حجم الفصل مختلطة، مشيراً إلى أن جودة المعلم والمناخ الصفي وأساليب التدريس قد تكون أكثر أهمية من مجرد عدد الطلاب. ولفت إلى أن متوسط حجم الفصل في المرحلة الابتدائية في دول المنظمة يقارب 21 طالباً، فيما يبلغ المتوسط في المرحلة المتوسطة نحو 23 طالباً.
دراسة سعودية بالأحساء.. الفصول الكبيرة تحد من المتابعة
وعلى المستوى المحلي، أشار الحديثي إلى دراسة سعودية شملت معلمي الصفوف من الرابع إلى السادس في الأحساء، حيث أفاد معلمو الفصول الكبيرة باستخدام طرق تدريس أقل تنوعاً وأكثر اعتماداً على التلقين، إلى جانب صعوبة أكبر في متابعة احتياجات الطلاب وتقييم أعمالهم.
وشدد على أن نتائج الدراسة يجب أن تُقرأ ضمن حدودها العلمية، موضحاً أنها دراسة تقيس إدراكات المعلمين وليست تجربة تجريبية تُثبت علاقة سببية مباشرة بين حجم الفصل والتحصيل الدراسي.
وأوضح أن الازدحام لا يؤدي تلقائياً إلى انخفاض درجات الطلاب، لكنه قد يقلل الوقت المتاح لكل طالب مع المعلم، ويحد من فرص التغذية الراجعة والتعليم الفردي، ويرفع أعباء إدارة السلوك والتشويش والتصحيح، وهو ما قد ينعكس على جوانب تعليمية تتجاوز نتائج الاختبارات، مثل الفهم والمشاركة والمهارات والثقة بالتعلم.
وبناءً على ذلك، يرى الحديثي أن خفض أعداد الطلاب بصورة مستهدفة قد يكون أكثر كفاءة من تقليلها بشكل عام، خصوصاً في المراحل والفئات التي تظهر الأدلة استفادتها بصورة أكبر، بالتزامن مع تطوير المعلمين وتوفير المساعدين التعليميين والتقويم المستمر.
التربية باللعب.. تعليم للمهارات وليس مجرد ترفيه
وفي سياق تربوي آخر، أكد الحديثي أن التربية باللعب هي استخدام اللعب وسيلةً لتعليم الطفل السلوك والمهارات، وليس مجرد وسيلة للترفيه، مشيراً إلى أن الطفل يتعلم من خلاله التعاون وانتظار الدور وضبط الغضب وحل المشكلات وتحمّل الخسارة، كما يمنحه مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره ومخاوفه التي قد يصعب عليه وصفها بالكلام.
وأوضح أن دور الوالدين يتمثل في المشاركة والتوجيه بهدوء مع وضع قواعد بسيطة وواضحة دون التحكم في جميع تفاصيل اللعب، مبيناً أن الألعاب الحركية والتخيلية والجماعية وألعاب البناء والقصص التمثيلية يمكن أن تكون أدوات تربوية فعّالة. وشدد على أن أهم ما يحتاجه الطفل ليس كثرة الألعاب، وإنما وقت منتظم يشعر خلاله بالاهتمام والأمان والمتعة مع والديه.
لماذا يتزايد القلق والاكتئاب؟.. عوامل متداخلة لا سبب واحد
وفي محور آخر، أوضح الحديثي أن زيادة القلق والاكتئاب عالمياً لا تعود إلى عامل واحد، وإنما تنتج عن تداخل مجموعة من العوامل، من بينها تسارع الحياة وتراكم متطلبات العمل والدراسة والأسرة مع ضعف فترات الراحة، والضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم الاستقرار الوظيفي والسكني.
وأضاف أن تراجع العلاقات الاجتماعية المباشرة وزيادة الوحدة رغم كثرة التواصل الرقمي، والاستخدام المفرط للهواتف ومنصات التواصل وما قد يصاحبه من مقارنة اجتماعية وأخبار سلبية واضطراب النوم، تُمثّل عوامل إضافية، إلى جانب قلة الحركة والسهر وتغير نمط الحياة، فضلاً عن الحروب والنزوح والكوارث والأوبئة والقلق المستمر من المستقبل، وارتفاع الضغوط الواقعة على الأطفال والشباب مع تصاعد التوقعات الدراسية والاجتماعية.
وأشار الحديثي إلى تقديرات منظمة الصحة العالمية التي رصدت ارتفاعاً عالمياً بنحو 25% في حالات القلق والاكتئاب خلال السنة الأولى من جائحة كورونا، في ظل تأثيرات العزلة الاجتماعية وعدم اليقين والضغوط الاقتصادية المصاحبة للجائحة.
ولفت إلى أن تحسّن الوعي بالصحة النفسية وتراجع الوصمة وتطور أدوات التشخيص أسهم في اكتشاف وتسجيل حالات كانت في السابق لا تُشخَّص، مؤكداً أن بعض الزيادة في الحالات حقيقية، فيما قد يرتبط جزء منها بتحسّن التعرف على الحالات وتسجيلها.
وخلص الحديثي إلى أن تحسين البيئة النفسية والتربوية للأطفال والشباب يتطلب التعامل مع مجموعة العوامل المحيطة بهم، بدءاً من الأسرة والمدرسة وصولاً إلى نمط الحياة والعلاقات الاجتماعية، مع تعزيز الوعي بالصحة النفسية والتعرف المبكر على الحالات التي تحتاج إلى تقييم ودعم متخصص.













