▪︎ مجلس نيوز
.
يحذّر المقال من الانشغال الدائم بانتقاد خيارات الآخرين والتدخل في شؤونهم الشخصية، مستشهداً بقصة الرجل وابنه مع الدابة لتأكيد أن محاولة إرضاء الناس أمر مستحيل. ويبيّن أن من ينتقدون كل تصرّف، كبيراً كان أو صغيراً، يعكسون نزعة مرضية للبحث عن النقص لا عن الصواب، وأن هذا السلوك عبء نفسي على صاحبه والمجتم…
يُحكى في الأثر الشعبي أن رجلاً وابنه كانا يسافران بالدابة ، فكلما اتخذا وضعاً في الركوب أو المشي ، انهالت عليهما انتقادات العابرين ، فإن ركبا الدابة معاً اتُهما بالقسوة، وإن مشيا معاً اتُهما بالغباء، وإن ركب أحدهما وترجل الآخر اتُهم الراكب بعدم الرحمة ، هذه القصة القديمة تلخص حقيقة بسيطة لكنها عميقة( مُرضي الناس كالقابض على الماء ) .
مجتمعاتنا اليوم يتجلى فيها هذا المشهد بوضوح في التفاصيل اليومية ، فالبعض يُنصًبون أنفسهم أوصياء وحكاماً على قرارات الآخرين وخياراتهم الشخصية ، متناسين أن لكل إنسان ظروفه وإمكانياته ، ونظرته الخاصة للحياة ، والمتأمل في سلوك المتدخلين في شؤون غيرهم يجد عجباً ، فالأمر لا يتعلق بالصواب والخطأ ،بل برغبة ملحة في إيجاد النقص مهما كانت الصورة مكتملة .
ففي البناء والسكن إذا أنشأ أحدهم بيتاً واسعاً ، قالوا لو أنه قلل مساحته ، فما الحاجةلكل هذا البناء الكبير ، وإذا بنى عمارة صغيرة أو متواضعة ، قالوا بتذمر لو أنه كبرهاواستغل المساحة بشكل أفضل .
وفي المناسبات والكرم إذا أقام شخصا مأدبة كبيرة وجاد بما لديه، اتهموه بالاسراف والتبذير ، ولو قصر اتهموه بالبخل والتقشف .
وفي الضيافة والصلة من اقتصرت ضيافته على أقاربه وجيرانه مراعاة لظروفه الماديةأو رغبة في البساطة ، فإنه ينال نصيبه من العتاب والملامة لأنه لم يتوسع في الدعوةوتجاهل فلان وغيره ، وفي المظهر واللباس إن ارتدى المرء لباساً فاخراً وأنيقاً نعتوهبالتكبر والمباهاة ، وإن ارتدى لباساً بسيطاً منخفض التكلفة ، اتهموه بالبخل والتقصيرفي حق نفسه .
وحتى أجساد الناس لم تسلم من نقدهم ، فإن رأوا شخصاً زائد الوزن قالوا لو يخففوزنه أفضل لصحته ، وإن رأوه نحيفاً قالوا من تقصيره في حق نفسه .
وهكذا في كل شأن من شؤون الحياة ، لا يتركون أحداً في حاله، بل يبحثون عن أي ثغرةأو عيب يلصقوه به ، وكأن مهمتهم في الحياة توزيع التقييمات والأحكام على الآخرين .
إن الانشغال بأحوال الناس وانتقادهم ليس مجرد سلوك غير مريح ، بل هو عبء نفسي على صاحب السلوك نفسه قبل غيره ، وهناك قاعدة نبوية تقول “من حسن إسلام المرءتركه ما لا يعنيه” لو طبقناها لصلحت أحوال المجتمعات واستراحت النفوس .
وحري بمن هذه صفاته أن يصرف طاقته لنفسه فالوقت والجهد اللذان يقضيهما فيتتبع عثرات الآخرين وتحليل قراراتهم ، هو أولى بهما لبناء حياته ، وتطوير ذاته ،والعناية بأسرته وعليه التماس العذر واحترم التنوع فلا يعلم ظروف الناس وأسرارهم إلا الله ، فما تراه أنت زيادة قد يكون حاجة ملحة لغيرك، وما تراه تقصيراً قد يكون أقصى ما يستطيعه الآخر ، وبدلاً من النقد ادع بالبركة إذا رأيت على غيرك نعمة (سواء كانت بيتاً ، أو مأدبة ، أو مظهراً حسناً) ، فالكلمة الطيبة صدقة والنية الحسنة تؤجر عليها ، وتذكر أن الكمال لله وحده ولا يوجد قرار بشري يتفق عليه الجميع بنسبة 100% ، فدع الناس يعيشون حياتهم كما يرونها مناسبة لهم .
أخيراً :
إذا كنت ممن يعانون من فضول الآخرين وانتقاداتهم المستمرة ، فاعلم أن رضا الناس غاية لا تُدرك ، ورضاء الله غاية لا تُترك ، افعل ما تراه مناسباً لظروفك وقناعاتك الأخلاقية والشرعية ، ودع القافلة تسير ، فمن شُغِل بنفسه عن الناس استراح وأراح !













