▪︎ مجلس نيوز
.
يستعرض خبراء في علم النفس رؤى بحثية تؤكد أن اللعب الحر يمثل الشكل الأصلي للتعلم لدى الإنسان، إذ يكتسب الأطفال عبره اللغة والمهارات الاجتماعية والعملية دون امتحانات أو مناهج رسمية. وتشير دراسات حديثة إلى أن السياحة الثقافية وتجارب المتاحف التفاعلية تعيد إحياء هذا النمط الطبيعي للتعلم.
يتجاوز اللعب حدود التسلية ليكون الطريق الأول الذي اكتسبت به البشرية مهاراتها؛ فقد تعلّم الأطفال عبر آلاف السنين اللغةَ والحرفةَ وقواعد العيش المشترك وهم يلعبون، قبل أن تظهر المدرسة بصفوفها وامتحاناتها في وقت متأخر من تاريخ الإنسان.
يقلب عالم النفس الأمريكي بيتر غراي هذه الفكرة في كتابه «الحرية في التعلم» الصادر عام 2013، إذ يرى أن اللعب الحر هو المدرسة الأصلية التي صُمّم الدماغ البشري للتعلم فيها، في مواجهة الاعتقاد السائد بأن التعلم يبدأ حين يجلس الطفل في الصف وينتهي حين يغادره.
ويتتبع غراي حياة الأطفال في عدد من المجتمعات البدائية، فيجد أنهم تعلّموا الصيد وجمع النبات وصناعة الأدوات ومهارات التفاوض باللعب والمراقبة والمحاولة، دون معلم يحدد درساً أو امتحان يقيس النتائج. ويخلص إلى أن أجيالاً متعاقبة بلغت الكفاءة الكاملة في حياتها بهذه الطريقة وحدها، وأن الصف المدرسي بشكله الحالي اختراع حديث لا يتجاوز عمره قروناً قليلة.
الطفل يلعب كأنه أكبر من عمره
فسّر عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي، في أبحاثه خلال عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، سرَّ هذه القدرة، إذ لاحظ أن الطفل يتصرف داخل اللعب فوق مستوى عمره الفعلي؛ فالطفل الذي يؤدي دور البائع يواجه مهام الحساب والتفاوض والالتزام بقواعد الدور، فيما يضبط المشارك في لعبة جماعية حركته وكلامه وفق قاعدة اتفق عليها رفاقه.
وأطلق فيغوتسكي على المسافة بين ما يستطيع الطفل فعله وحده وما يبلغه بمساعدة من حوله مصطلح «منطقة النمو القريب»، مؤكداً أن اللعب أوسع مساحة يتقدم فيها الطفل داخل هذه المنطقة، لأنه يجرّب قدرات لم تنضج بعد دون خوف من درجة أو عقاب.
لماذا نلعب دون حاجة إلى مكافأة؟
حذّر عالم النفس الأمريكي إدوارد ديسي من الخلط بين التعلم باللعب وبين تشجيع الدراسة بالجوائز؛ ففي عام 1971 أجرى تجارب على طلاب جامعيين يستمتعون بحل ألغاز ميكانيكية، ومنح بعضهم مالاً مقابل كل حل، فلاحظ أن من تقاضوا المال فقدوا رغبتهم في الألغاز حين توقف الدفع، بينما واصل الآخرون الحل بشهية لم تنقص.
ويكشف هذا الفرق حدود ما يُعرف اليوم بإضافة النقاط والشارات إلى الدروس؛ فالمكافأة الخارجية قد تحرّك الطالب أياماً، لكنها تستبدل متعة الفهم بسباق على الجائزة، فإذا غابت توقف السباق. أما اللعب الحقيقي فيحمل جائزته في داخله.
دروس وفصول بلا جدران
لا يقتصر هذا النوع من التعلم على المدرسة وحدها؛ إذ بنت المتاحف التفاعلية والوجهات الترفيهية الكبرى أجنحة كاملة على فكرة واحدة: يلمس فيها الزائر التجربة بيده، ويخطئ ويعيد المحاولة، ويخرج وقد فهم قانوناً في الفيزياء أو فصلاً من التاريخ دون أن يشعر أنه دخل درساً. ويقضي الطفل ساعات أمام هذه التجارب دون أن يسأل متى ينتهي الوقت، وهو السؤال الذي يفتتح به يومه المدرسي.
ويرصد تقرير «PlayNEXT» الدولي، الصادر حديثاً عن مستقبل الوجهات القائمة على اللعب، هذا السلوك في أرقام المسافرين حول العالم؛ إذ يطلب 77% منهم تجارب تعكس ثقافة البلد الذي يزورونه بصدق، فيما يترك 68% في رحلاتهم وقتاً بلا خطة ليكتشفوا دون دليل يقودهم — وهو سلوك المتعلم باللعب ذاته. ويُقدّر التقرير حجم السياحة الثقافية في العالم بنحو 1.2 تريليون دولار في عام 2025، ما يعني أن البشر يدفعون اليوم أموالاً طائلة ليتعلموا بالطريقة التي وُلدوا عليها.
تلتقي هذه الدراسات عند خلاصة واحدة: التعلم في صورته الأصلية يشبه اللعب أكثر مما يشبه الواجب، ويخسر الطفل حين تضيق مساحات لعبه الحر أقدمَ مدارسه وأبلغها أثراً.














