▪︎ مجلس نيوز
.
يحذر المقال من تحوّل البودكاست من مساحة للحوار العميق والمعرفة الهادئة إلى “موضة” إعلامية مكتظة بالبرامج المتشابهة، والضيوف المكرّرين، والحلقات المطوّلة بلا مضمون حقيقي. ويرى الكاتب أن المشكلة ليست في كثرة البرامج بل في غياب الإضافة النوعية، والسعي وراء “الترند” على حساب القيمة المعرفية. ويخلص إلى أ…
لم يعد البودكاست مجرد وسيلة إعلامية جديدة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتاحت المشهد الإعلامي. في البداية كان ظهوره مختلفًا؛ مساحة للحوار العميق، والأفكار الهادئة، والضيوف الذين يمتلكون ما يستحق أن يُقال. كان المستمع يبحث عنه لأنه يقدم ما لا تقدمه البرامج التقليدية، ويمنح الوقت للفكرة كي تنضج بعيدًا عن صخب العناوين السريعة.
لكن كما يحدث مع كثير من النجاحات، فإن الإفراط كان بداية المشكلة.
اليوم أصبح من الصعب إحصاء عدد برامج البودكاست. كل منصة تنتج عشرات البرامج، وكل جهة تريد أن يكون لديها بودكاست، حتى بات الأمر أقرب إلى موضة إعلامية أكثر من كونه مشروعًا معرفيًا. كثرة البرامج لم تعد تعني كثرة المحتوى، بل في أحيان كثيرة أصبحت تعني تكرار الضيوف، وتكرار الأسئلة، بل وحتى تكرار الإجابات.
المفارقة أن الضيف نفسه قد ينتقل بين ثلاثة أو أربعة برامج في شهر واحد، يروي القصة ذاتها، ويستعيد المواقف نفسها، ويكرر العبارات ذاتها، بينما يتعامل كل مقدم وكأنه اكتشف ضيفًا جديدًا. النتيجة أن المستمع لم يعد يشعر بالحماس، لأن عنصر المفاجأة اختفى، وأصبحت الحلقات نسخًا متشابهة بأغلفة مختلفة.
ليست المشكلة في عدد البرامج بحد ذاته، فالتنوع مطلوب، والمنافسة الصحية ترفع جودة المحتوى. المشكلة تبدأ عندما يصبح الهدف هو مجرد الوجود في سوق مزدحم، دون إضافة حقيقية. فليس كل حديث يصلح لأن يكون بودكاست لساعتين، وليس كل شخص يمتلك القدرة على إدارة حوار عميق، وليس كل قصة تستحق أن تُعاد عشرات المرات.
كما أن طول الحلقة أصبح لدى البعض معيارًا للجودة، وكأن إطالة الحديث تضيف قيمة تلقائيًا. بينما الحقيقة أن خمسًا وأربعين دقيقة مليئة بالمعلومة والفكرة خير من ساعتين من الاستطراد والتكرار.
اللافت أيضًا أن بعض برامج البودكاست أصبحت تبحث عن “الترند” أكثر من بحثها عن المعرفة. تُقتطع جملة مثيرة، أو موقف صادم، أو تصريح قابل للجدل، ثم يُسوَّق للحلقة على أنها إنجاز إعلامي. وهنا يتحول البودكاست من منصة للحوار إلى مصنع للمقاطع القصيرة، ويضيع الهدف الذي وُلد من أجله.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك برامج بودكاست سعودية وعربية قدمت نماذج رفيعة، صنعت محتوى مؤثرًا، واستضافت خبرات حقيقية، وأسهمت في نشر المعرفة بلغة قريبة من الجمهور. هذه البرامج أثبتت أن النجاح لا يقاس بعدد الحلقات، وإنما بقيمة ما يخرج به المستمع بعد انتهائها.
السوق الإعلامية لا تحتاج إلى مزيد من البودكاست بقدر ما تحتاج إلى بودكاست أفضل. الجودة هي التي تبقى، أما الكثرة فلا تصنع تميزًا. فكما أن كثرة القنوات لم تصنع إعلامًا أفضل، وكثرة الحسابات لم تصنع محتوى أجود، فإن كثرة برامج البودكاست لن تصنع بالضرورة حوارًا أكثر عمقًا.
في النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل منتج ومقدم قبل تسجيل أي حلقة: هل لدينا ما يستحق أن يُقال؟ فإن كانت الإجابة نعم، فليتحدث. أما إذا كان الهدف مجرد إضافة برنامج جديد إلى قائمة طويلة من البرامج المتشابهة، فإن الصمت قد يكون أكثر قيمة من حلقة جديدة لا تضيف شيئًا













