▪︎ مجلس نيوز
.
يشخّص المقال أثر إيقاع العصر السريع على الحب، موضحاً كيف حوّلت الفورية والاتصال اللحظي العلاقات العاطفية إلى تجارب عابرة فاقدة للعمق والانتظار والخيال. ويؤكد أن الحب لا ينضج إلا داخل الزمن والمسافة المناسبة، بوصفه “ذكاء المسافة” الذي يوازن بين القرب والغياب، داعياً إلى إبطاء الوتيرة وإعادة الاعتبار…
في عالمٍ يركض بجنون نحو اللاشيء، يقف الإنسان حائراً أمام مشاعره التي باتت تُقاس بالثواني لا بالنبضات، ليتساءل بمرارة: هل غيَّبَ شغف الفورية حقيقة الوجدان، لتغدو القلوب مغتربة في عصر الإيقاع الخاطف؟ إن العلاقة بين الحب والزمن هي أزلية التكوين، فلا يمكن للعاطفة أن تولد وتنمو خارج حدود الوقت، لأن الحب في جوهره لا يعيش خارج الانتظار، ولا يكبر خارج المسافة، ولا يتحول إلى حكاية ترويها الأجيال من دون وقت يمنحها الملامح والتفاصيل. وحين طغت خفة العبور على كل شيء في عصرنا الحديث، جُردت المشاعر من ثوبها المقدّس، وأصبح الحب مجرد التفاتة عابرة تمر في شريط الذكريات دون أن تترك أثراً عميقاً في الوجدان، وتراجعت تلك الكتابة الرفيعة التي كانت تصنع من لوعة العشاق أدباً خالداً، لأن ذلك الحب الملتهب الذي غنى له الشعراء خبا وانطفأ في غمرة اللاهثين خلف الأيام والركض اليومي.
لقد كان الوقت دائماً هو الميزان الأدق للمشاعر، وكما قال جبران خليل جبران ذات يوم: “بين الحب والوقت علاقة أبدية، فالحب يقتل الوقت بسرعة، والوقت يقتل الحب ببطء”، وهي المفارقة التي نعيش تجلياتها اليوم بشكل مشوّه؛ ففي الماضي كان العشاق يقتلون الوقت بالانتظار وتأمل النجوم وصياغة الرسائل الورقية التي تستغرق أسابيع لتصل، أما اليوم فقد قلبنا المعادلة ليصبح النمط الخاطف هو السكين التي تذبح الحب ببطء في غرف المحادثات اللحظية. لقد غاب الغموض الذي كان يغذي الخيال، واختفت اللهفة التي كانت تولد من رحم الغياب، وتحولت العلاقات إلى تواصل لحظي يُستهلك وينتهي في الدقيقة ذاتها، مما حرم الإنسان المعاصر من متعة النضج العاطفي الذي يحتاج إلى فصول متعاقبة لترسخ جذوره.
إن السر في ديمومة العاطفة يكمن في إدراك أن الحب هو ذكاء المسافة، تلك الهندسة الروحية الدقيقة التي تفرض على المحبين ألا يقتربوا كثيراً فتُلغى اللهفة ويحل الملل، وألا يبتعدوا طويلاً فيطويهم النسيان وتبرد القلوب. ومن أسمى تجليات هذا الذكاء العاطفي ألا تضع حطبك دفعة واحدة في موقد من تُحب، بل تتركه يشتعل رويداً رويداً ليدوم الدفء طويلاً، لكن إنسان العصر الراهن يسكب كل وقوده في اللقاء الأول، فيحترق الهوى في لحظته ويتحول إلى رماد قبل أن يبدأ. نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى كبح خطواتنا، وإعادة الاعتبار للانتظار، والاعتراف بأن أثمن ما في الحب هو ذلك الوقت الذي نهبه للآخر بصبر وأمل، ليعود الحب حكاية تستحق أن تُكتب، لا مجرد رسالة عابرة تُمحى بلمسة شاشة.










