▪︎ مجلس نيوز
.
يحذّر المقال من ظاهرة “صناعة الطوارئ” في بيئات العمل، حيث تلجأ بعض القيادات الضعيفة إلى افتعال أزمات وهمية وتحويل الأعمال الروتينية إلى حالات استنفار دائم لإظهار نفسها في صورة “البطل المنقذ”، ما يرهق الفرق التشغيلية ويدمر ثقافة التخطيط والاستقرار. يؤكد الكاتب أن القيادة الرشيدة تقوم على التنبؤ الاست…
تدخل الممر الرئيس للمنشأة في صباح يوم عادي، فتجد الأجواء مشحونة بتوتر عارم؛ هواتف لا تتوقف عن الرنين، رسائل نصية تحمل طابع “العاجل جداً”، واجتماعات خاطفة تُعقد على أرجُل الشك والتوجس. تسأل عن السبب المفصل خلف هذا الاستنفار، فتكتشف أن الأمر لا يتعدى تسليم تقرير دوري مسبوق الموعد منذ أشهر، أو تعديل هامشي في جدول زمني لمشروع اعتيادي. لكن الإدارة قررت فجأة إعلان “حالة الاستنفار الأقصى” وإرباك كافة القطاعات التشغيلية للتعامل مع هذا التحدي الذي وُلد بقرار مكتبي في الليلة السابقة.
هذا المشهد يتطلب صراحة نقدية لتفكيك دوافعه العمومية عبر التساؤل: كيف تحولت إدارة المنشآت عند البعض من علم قائم على التنبؤ والاستبصار والاستقرار، إلى مسرح مفتوح لإشعال الحرائق الوهمية ثم ادعاء إطفائها؟.
إن ما يحدث في هذه البيئات المجهدة ليس حرصاً على الإنجاز ولا إصراراً في المتابعة، بل هو تجسيد صريح لعارض سلوكي يوصف بـ”مريض” نطلق عليه “صناعة الطوارئ”. ينشأ هذا النمط حينما تعجز القيادات الضعيفة عن تقديم قيمة مضافة من خلال التخطيط طويل المدى، فتستعيض عن الفراغ المعرفي بابتكار “أزمات مصنعة” تجبر الجميع على الركض، في محاولة بائسة لتسويق الذات في مظهر المنقذ الصلب الذي لا تتوقف منظومته عن العمل تحت الضغط.
سيكولوجية “البطل المزيف” وفخ التواجد الصاخب
لنحلل الظاهرة بنظرة مجردة: القدرة على التعامل مع الأزمات الحقيقية واتخاذ القرارات الجريئة في الأوقات الحرجة هي سمة قيادية رفيعة تضمن نجاة الكيانات وعبورها بسلام أثناء التحولات الكبرى. لكن الفارق الجوهري بين القائد المتمكن والمسؤول الضعيف يكمن في أن “الأول يمنع وقوع الأزمة قبل حدوثها، بينما الثاني يفتعل الأزمة ليتسنى له الظهور في مشهد البطولة”.
حينما يفتقر المسؤول للعمق الاستراتيجي، يصيبه هلع داخلي من أن يُنظر إلى هدوء العمليات كدليل على عدم أهميته. ولتغطية هذا العجز المعرفي، يلجأ إلى ممارسة “الإدارة بالفزع” (Panic Management)؛ فيحول الخطوات التشغيلية الروتينية إلى ملاحم بطولية تتطلب السهر، والضغط النفسي، وتخطي الصلاحيات. هذا الانحياز السلوكي يصنع بيئة عمل هشة، يُكافأ فيها من يتقن إحداث الصخب وحل المشكلات التي تسبب هو في خلقها، بينما يُهمش القائد الهادئ الذي يدير فريقه برصانة وسلاسة دون حاجة لإثارة الذعر.
التكلفة النفسية والتشغيلية لهدر “الهدوء المؤسسي”
عندما تصبح “صناعة الطوارئ” هي النمط السائد داخل أروقة الشركة، يدفع رأس المال البشري المخلص ثورة حادة من طاقته وصحته النفسية. الانشغال الدائم بإطفاء الحرائق الوهمية يمنع العقول الفذة من التفكير في الابتكار والتطوير البعيد المدى، ويجبر الكفاءات على العيش في حالة من “التأهب العصبي المستمر”. هذا الضغط المتواصل يرفع معدلات الاحتراق الوظيفي، ويدفع الكفاءات اللامعة للهروب بحثاً عن بيئات عمل يحكمها المنطق والاتزان.
والأدهى من ذلك أن هذه العشوائية تكلف المنشآت خسائر فادحة في كفاءة الإنفاق والجودة التشغيلية. فالقرارات التي تُتخذ تحت وطأة “الطوارئ المفتعلة” غالباً ما تكون قرارات مبتسرة، مكلفة، ومفتقرة لمعايير الجودة الشاملة. يتعود الفريق بمرور الوقت على ألا يعمل إلا تحت حد السيف، فتموت ثقافة التخطيط المسبق، وتتحول المنظمة إلى جسد مجهد يستهلك كافة موارده في معارك جانبية لا تصنع أي أثر تنموي مستدام.
حقيقة إدارية صادمة:
المسؤول الذي لا يستطيع إدارة فريقه إلا بأسلوب الطوارئ الدائمة، هو إداري يمارس التستر على فشله في التخطيط؛ فالقيادة الرصينة لا تُقاس بمدى الضجيج الذي تحدثه في الممرات، بل بمدى الهدوء والانسيابية التي تجعل أعتى المشاريع المعقدة تبدو وكأنها مهمة يومية سلسة وميسورة.
🔍 إن استقراء تجارب المنظومات الوطنية الرائدة يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستدامة والتميز التشغيلي لا ينشآن من قلب الفوضى المفتعلة، بل من رحم البيئات المستقرة التي تعتمد على حوكمة المخاطر والتنبؤ الاستباقي؛ فالكيانات التي تحترم عقول طاقاتها وتوفر لها الأمان النفسي هي الوحيدة القادرة على تحقيق القفزات النوعية بثبات وتوازن.
حوكمة الأداء والتحول نحو “التنبؤ الاستباقي”
في ظل الحراك التنموي المبارك والشامل الذي تشهده بيئة الأعمال السعودية تحقيقاً لمستهدفات رؤية المملكة 2030، تلاشت المساحات التي كانت تُمنح للإدارة بالصدفة أو الاستعراض اللحظي. التحول المؤسسي الوطني يقوم بالكلية على الشفافية، ولغة المعطيات الدقيقة، والتخطيط المحكم القائم على مؤشرات قياس أداء واضحة ومحددة أفقياً ورأسياً. وبالتالي، لم يعد مقبولاً تحويل التقصير في الإعداد إلى حالة استنفار تُحمل تبعاتها للفرق التشغيلية.
الانتقال نحو الرصانة التنظيمية يتطلب تبني “التنبؤ الاستباقي” وإلغاء ثقافة “الطوارئ المصنعة”. القائد الناضج يستبق الأحداث عبر بناء مصفوفات جاهزية وإدارة مخاطر متكاملة، تضمن التعامل مع التحديات الحقيقية ببرود استراتيجي ودقة تشغيلية. إن مأسسة الأنظمة وتفعيل أطر الحوكمة الصارمة تجبر المنظومة على الخروج من دائرة الانفعال اللحظي لتجعل من “الهدوء والإنتاجية العميقة” هما المعيار الوحيد المستحق للتقدير والثناء.
أنسنة البيئة الداخلية واسترداد شغف الإتقان
إن القيمة الحقيقية لأي كيان طموح يسعى للصدارة لا تكمن في القدرة على إنهاك الموظفين، بل في القدرة على تحويل بيئة العمل إلى واحة تنموية تُحفز على الإبداع دون خوف أو توتر. الارتقاء بالإدارة يقتضي “أنسنة القيادة”؛ أي نقل تركيز المسؤول من ممارسات السيطرة وإثبات التواجد الصوري، إلى تمكين الكفاءات، واحترام أوقاتها، وتوفير الموارد اللازمة لتأدية المهام برصانة وعمق إنساني رفيع.
المنظمات الذكية هي التي تحمي مجتمعاتها الوظيفية من صخب القيادات الخائفة التي تقتات على إرباك الميدان. إن الاستثمار في إرساء ثقافة تنظيمية ناضجة تحترم التخطيط الزمني ومواصفات الجودة هو الاستثمار الذي يصنع الفارق. عندما يشعر المحترف أن جهده صانع للأثر وليس مجرد وقود لبطولات وهمية، يسترد شغفه بالإتقان، وتتحول منظومة العمل إلى ملحمة عطاء هادئة، راسخة، وواثقة من خطواتها نحو المستقبل.
كتيب التشغيل: 3 خطوات حاسمة لتطهير منشأتك من “فخ صناعة الطوارئ”:
-
تفعيل “مسار التدقيق في أسباب العاجل”: اخضع أي طلب يُرفع بصفة “عاجل جداً” أو “حالة طوارئ” لمعايرة مستقلة بعد انتهاء المهمة؛ لمعرفة ما إذا كان السبب كوارث خارجية غير متوقعة، أم أنه مجرد تغطية على سوء تخطيط وتأخير من الإدارة المعنية.
-
إدراج “الهدوء التشغيلي” ضمن مؤشرات القيادة: ربط جزء أساسي من تقييم المدراء بمُعدل استقرار جداول أعمال فرقهم، ومدى التزامهم بالمواعيد المحددة مسبقاً، مع معاقبة أسلوب التكليف المباغت وتشتيت الموارد.
-
مأسسة إدارة المخاطر والتنبؤ الاستباقي: فرض بناء خطط عمل بديلة (Plan B) ومصفوفات جاهزية معتمدة لكل المشروع قبل انطلاقه، لضمان معالجة العثرات التشغيلية بسلاسة دون الحاجة لإعلان حالات استنفار داخلية.
خاتمة
عزيزي المسؤول.. عزيزي القائد الطموح..
القيادة الحقيقية ليست في أن تقود فريقاً مجهداً يركض في كل اتجاه وهو يخشى المجهول، بل في أن تكون المنارة الهادئة التي توفر اليقين والوضوح وسط أمواج التحولات. فلا تجعل من ضعف تخطيطك ذريعة لاختلاق أزمات تحرق بها شغف من يعملون معك وتستنزف بها أصول منشأتك.
كن القائد الرصين الذي يزرع السكينة، يحترم البناء المؤسسي، ويجعل من الإتقان الهادئ عقيدة تشغيلية لا تتغير؛ واجعل من كيانك نموذجاً للإنتاجية العميقة التي تفخر برصانة خططها وثبات خطواتها، لتظل حاضراً بأثرك المستدام، وشاهداً على نبل قيادتك وعمق جدارتك الاستراتيجية التي تسير بثبات ونظام نحو القمة.تذكر دائماً:
“هيبتك المهنية لا تصنعها إتاحة الفوضى وإعلانات الاستنفار،
بل قدرتك على بث الهدوء والوضوح في قلوب فريقك؛
فالقائد الذي تسجنه “صناعة الطوارئ”، هو مسؤول يعيش بجسده في “مركز الصخب المفتعل”،
بينما يظل عقله وأثره الحقيقي حبيساً في أدراج العشوائية وسوء التخطيط”.
أحمد علي العمودي
خبير استراتيجي، مستشار تطوير الأعمال












