▪︎ مجلس نيوز
.
يسرد المقال موقفًا لسائق سيارة أجرة في مكة يشكو من كثرة مَن يقصدون الحرم أو العمرة ثم يتهربون من دفع الأجرة، فيجمعون بين قصد العبادة وأكل حقوق الناس. ويخلص الكاتب إلى أن الطريق إلى البيت الحرام لا يُقاس بالمسافة، بل بصفاء الذمة وردّ المظالم، وأن الأمانة واحترام حقوق العباد شرط لقبول العمل وزكاة الرو…
كنا نقف – أنا وصديقي، أخي الذي لم تلده أمي – ننتظر سيارة أجرة تقلّنا من مكاننا المعتاد في أحد أحياء مكة القريبة من الحرم. وما هي إلا لحظات حتى توقفت أمامنا سيارة، فأشرنا إليها، وقبل أن نركب لوّح السائق بيده بإشارة غريبة، كأنه يسأل: ستدفعان الأجرة… أليس كذلك؟
تبادلنا نظرات التعجّب، وقلنا له مبتسمين: يا أخي، نحن نعلم أن التوصيل بأجر وليس مجانًا، فما الذي دعاك إلى هذا السؤال؟ وهل يُعقل أن يركب أحد سيارة أجرة ثم ينصرف دون أن يدفع؟
أطلق السائق زفرة طويلة وقال بصوت يثقله الأسى: والله لقد كثر من يركب معي إلى الحرم، ثم ينزل ويمضي دون أن يدفع أجرة المشوار. بل إن بعضهم يكون مُحرِمًا قاصدًا العمرة، ثم يظلمني في حقي، ويغادر كأن شيئًا لم يكن.
ساد الصمت بيننا، لكن الضجيج كان يعتمل في أعماقنا، وتزاحمت الأسئلة في صدورنا: كيف يجتمع قصد الطاعة مع أكل حقوق الناس؟ وكيف يرجو المرء قبول سعيه إلى بيت الله وهو يحمل في ذمته مظلمة لعبدٍ من عباده؟
عندها أدركنا أن الطريق إلى الحرم لا يُقاس بعدد الكيلومترات، بل بمقدار ما يحمله القلب من أمانة وتقوى؛ فليس الشأن أن تصل إلى البيت الحرام فحسب، وإنما أن تصل إليه وقلبك خفيف من حقوق العباد، نقيّ الصحيفة، لا يطالبك أحد بمظلمة ولا ينتظر منك حقًا.
الأمانة أول الطريق إلى الله، ومن ضيّع حقوق الناس خشي أن يعود من رحلته كما ذهب؛ أتعب الجسد ولم يزكِّ الروح.











