▪︎ مجلس نيوز
.
يؤكد المقال أن المناصب لا تُفسد أصحابها بقدر ما تكشف حقيقتهم الداخلية، فالكرسي لا يصنع الأخلاق بل يختبرها، وقد يحوِّل شغف السلطة بعض المسؤولين إلى مستبدين يظنون أن الهيبة تُصنع بالخوف والمحاباة وكسر كرامات الناس. ويستشهد الكاتب بالمنهج النبوي في القيادة الذي يرى الإمارة تكليفًا لا تشريفًا، ويجعل الع…
كان الملك يبحث عن رجل يدير شؤون الناس ، جمع أصحاب الحكمة، لكنه اختار في النهاية رجلًا لم يكن أكثرهم علمًا ولا أكثرهم عدلًا، بل أكثرهم شغفًا بالكرسي ، في اليوم الأول، لم يتغير شيء سوى المقعد ، وفي الأسبوع الأول، تغيرت نبرة صوته ، وفي الشهر الأول، أصبحت الأبواب لا تُفتح إلا بإذنه، والوجوه لا تبتسم إلا خوفًا منه، والقرارات لا تُبنى على الحق، بل على من يقترب أكثر من الكرسي ، عندها أدرك الملك متأخرًا أن الكرسي لم يمنح الرجل سلطةً… بل كشف حقيقةً كانت مختبئة داخله.
ليست كل المناصب تُفسد أصحابها، لكنها تكشفهم ، فالمنصب لا يصنع الأخلاق، وإنما يختبرها ، حين يصبح الكرسي وسيلةً لاستفزاز الناس بظروفهم، أو استغلال حاجاتهم، أو كسر كراماتهم، فإنه لم يعد موقع مسؤولية، بل تحول إلى منصة يستعرض عليها صاحبه نقصه ، ومن يظن أن السلطة تمنحه حق إذلال الآخرين، لم يفهم معنى السلطة أصلًا ، فالمنصب لا يمنح الإنسان قيمة، وإنما يمنحه فرصة ليُثبت قيمته.
المؤلم أن بعض المسؤولين يظنون أن الهيبة تُصنع بالخوف، وأن الاحترام يُنتزع بالصوت المرتفع، وأن الإدارة تعني أن تكون دائمًا فوق الجميع ، فتراه يرسم الأنظمة بصرامة، ثم يمحوها بالمحاباة ، يعاقب هذا لأنه ضعيف، ويستثني ذاك لأنه قريب ، يتحدث عن العدالة، لكنه يطبقها على من لا يملك الاعتراض ، وحين يُسأل عن ذلك، يختبئ خلف الكرسي ، لكن الكرسي لا يحمي أحدًا من التاريخ، ولا من دعوة مظلوم، ولا من حساب الله.
ولهذا جاء المنهج النبوي ليعيد تعريف القيادة ، لم يكن رسول الله ﷺ يرى الإمارة تشريفًا، بل تكليفًا ، وكان يقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به».
إنها قاعدة إدارية قبل أن تكون وصية إيمانية.
فالمنصب الذي يزيد صاحبه قسوة ليس نجاحًا، بل إنذار ، والسلطة التي تُنتج خوفًا أكثر مما تُنتج عدلًا، ليست قوة، بل ضعف يتخفى خلف الصلاحيات ، ولم يكن ﷺ يميز بين الناس لقربهم، ولا يغير الأحكام تبعًا للأسماء، حتى قال كلمته الخالدة عندما شُفع في المرأة المخزومية: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» ، بهذا الموقف سقطت المحاباة، وانتصرت العدالة.
ومن غرائب المناصب أن بعضها يصيب صاحبه بما يمكن أن نسميه “بخور الكرسي” ، لا يكتفي بالطيب الذي يضعه على ثوبه، بل يتوهم أن المنصب قد بخّر شخصيته أيضًا، وأنه أصبح أكبر من الاعتذار، وأعلى من النقد، وأرفع من النصيحة ، وما درى أن أول ما يتبخر عند الغرور هو احترام الناس ، فالهيبة لا تُشترى بالعطر، ولا تُفرض بالمنصب، ولا تُكتب في بطاقة التعريف الوظيفية ، الهيبة تسكن القلوب حين يسكن العدل في القرارات.
الكرسي قطعة خشب أو جلد أو معدن ، أما قيمته الحقيقية، فهي فيمن يجلس عليه ، فقد يجلس عليه رجل فيرفعه بعدله، وقد يجلس عليه آخر فيفضحه ظلمه ، ولذلك لا يخيفني الكرسي، وإنما يخيفني الإنسان الذي ينسى، في أول يوم يجلس عليه، أنه سيأتي يوم يقف فيه أمام كرسي أعظم… لا صلاحيات فيه، ولا محاباة، ولا سكرتير يؤجل الحساب ، هناك فقط، يسقط لقب المسؤول، ويبقى الإنسان… وعمله.














