تصفه جريتا ثونبيرج بأنه “قوتها العظمى”. لسوء الحظ، لا يرى الجميع التوحد بهذه الطريقة.
بالنسبة للناشطة السويدية المراهقة، ساعدت الإصابة بمتلازمة أسبرجر – أحد أشكال التوحد – على تعزيز حملتها البيئية. “هذا يجعلني مختلفة، وكوني مختلفة فهو هبة (…) كما أنه يجعلني أرى الأشياء من خارج الصندوق”، حسبما قالت لـ”بي بي سي”.
لكن الغالب أن الأشخاص الذين يتم تشخيصهم على طيف التوحد – نحو واحد من كل 100 شخص – يتعرضون للوصم والاستبعاد. في المملكة المتحدة كان 16 في المائة فقط من البالغين المصابين بالتوحد يعملون بأجر بدوام كامل في 2016، وفقا لجمعية التوحد الوطنية. يمكن للأشخاص الآخرون من ذوي التنوع العصبي، بما في ذلك أولئك الذين يعانون عسر القراءة واضطراب التآزر الحركي، واضطراب نقص الانتباه، وفرط النشاط، ومتلازمة توريت، أن يواجهوا صعوبات وتمييزا في مكان العمل.
لكن المواقف تتغير. أصبح أرباب العمل ينظرون إلى الأشخاص ذوي التنوع العصبي باعتبارهم أصلا إنسانيا يجب على المجتمع أن يعتز به، وليس مجموعة تستحق التهميش. يبرز التنوع العصبي، وهو مفهوم عصبي وحركة اجتماعية في آن معا، باعتباره “الحد النهائي” في نقاش التنوع.
إن قضية إعادة صياغة فهمنا للتوحد والاحتفال بالتنوع العصبي ظهرت بقوة في كتاب جديد لسيمون بارون كوهين، مدير مركز أبحاث التوحد في جامعة كامبريدج. باستخدام دراسة أجريت في 2018 في المملكة المتحدة لأنواع الدماغ شملت 600 ألف شخص، حدد البروفيسور بارون كوهين خمسة أنواع من الدماغ على طول طيف يمتد من التعاطف إلى التنظيم.
يشير إلى أن هناك تداخلا بين منظمي النظم المفرطة، كما يسميهم، والذين يميلون إلى أن يكونوا جيدين في التعرف على الأنماط والتجارب التي لا هوادة فيها، والأشخاص المصابين بالتوحد. آلية التنظيم هذه، نوع من أنواع خوارزمية الشرط، التي هي أحد المحركات الرئيسة للبراعة البشرية.
لأكثر من 20 عاما، عمل البروفيسور بارون كوهين مع الأشخاص المصابين بالتوحد في كامبريدج ويقول إن هؤلاء الأطفال غالبا ما يعانون في المدرسة، حيث لا يكونون مناسبين لتغيير المواد كل 30 دقيقة عندما يتم قرع الجرس. ثم يفتقرون بعد ذلك إلى المؤهلات الأكاديمية أو المهارات الاجتماعية اللازمة للتميز في مقابلة، وغالبا ما يفشلون في الحصول على وظيفة. أفاد ثلثا أولئك الذين يأتون إلى مركزه أنهم يشعرون برغبة في الانتحار.
من وجهة نظر البروفيسور بارون كوهين، فإن الوسيلة الأكثر فعالية للرد على هذه “المأساة الإنسانية” هي مساعدة المصابين بالتوحد على العثور على عمل ذي معنى. يقول: “إن مفهوم التنوع العصبي ثوري. لدى المصابين بالتوحد نقاط قوة ولديهم مواهب حقيقية. ليس لديهم إعاقات فقط “.
تصل هذه الرسالة بشكل متزايد إلى أصحاب العمل الذين يقدرون الموظفين الذين يفكرون بشكل مختلف. تهدف ساب، شركة البرمجيات الألمانية، إلى زيادة عدد موظفيها الذين لديهم تشخيص رسمي يفيد بأنهم مصابون بالتوحد إلى 1 في المائة من قوتها العاملة البالغ عددها 70 ألفا. شركة أوتيكون، وهي شركة استشارية لتكنولوجيا المعلومات، توظف فقط الأشخاص المصابين بالتوحد، الذين تعتقد أن لديهم “نظام تشغيل مختلفا”. الوحدة 9900 في الجيش الإسرائيلي تجند الأشخاص المصابين بالتوحد لاكتشاف الأنماط الشاذة في صور الأقمار الصناعية.
في كانون الثاني (يناير)، أطلقت يونيفرسال ميوزيك كتيب (الاختلافات الإبداعية) لزيادة الوعي بالتنوع العصبي والمساعدة على توظيف مجموعة أوسع من الموظفين. منذ ذلك الحين، تواصل مع الشركة نحو 200 منظمة من جميع أنحاء العالم مبدية حرصها على معرفة المزيد. يقول ديفيد جوزيف، الرئيس التنفيذي لشركة يونيفرسال ميوزيك يو كيه: “يجب أن نحتفل بالاختلافات التي تؤدي إلى أفكار ونتائج وحلول أفضل. يجب على الشركات أن تغير، وليس الأفراد”.
يضيف جوزيف أن جميع أصحاب العمل ملزمون بإجراء تعديلات معقولة لاستيعاب احتياجات الموظفين من ذوي التنوع العصبي. لكنه يدرك أن ذلك يتطلب التزاما شديدا من الإدارة العليا وجميع الموظفين الآخرين.
رغم ذلك، مفهوم التنوع العصبي في حد ذاته مثير للجدل بالنسبة لبعض الناس، الذين يرون أنه يخاطر برفع الآمال الزائفة بين أولئك المصابين بالتوحد غير المناسبين لمكان العمل.
يعترف جيمس كوزاك، الرئيس التنفيذي لجمعية أوتيستيكا الخيرية، وهو نفسه مصاب بالتوحد، بأن التوحد هو “تشخيص شامل يغطي طيفا واسعا جدا جدا”. يقول: “سيكون العمل في غاية الصعوبة بالنسبة لبعض المصابين بالتوحد ولن يكون دائما هدفا واقعيا”.
لكنه يجادل بأن أصحاب العمل يجب أن يسعوا جاهدين لاستيعاب الموظفين من جميع الخلفيات غير التقليدية، الذين يمكنهم تقديم مساهمة. “وجود أشخاص يفكرون بشكل مختلف ويرون العالم بشكل مختلف سيدعم الابتكار حقا”.
يقول كوزاك إننا جميعا فريدون. لا شك أنه على حق، هذا هو الهدف الذي يسمو إليه التنوع العصبي – يجب ألا ينظر أصحاب العمل إلى الموظفين على أنهم فئات، بل كأفراد.











