بما عليها من مظلة صفراء زاهية، مكتبة جيبير جون الموجودة في ميدان سان ميشيل في باريس هي معلم مألوف لأي شخص قضى بضع ساعات في التجول في الحي اللاتيني. أجيال من الطلاب كانت تأتي لشراء الكتب المدرسية في هذا المبنى الواسع المزدحم ذي الطوابق الستة.
الآن يبدو أن المتجر – وهو الأكبر من بين عدة متاجر في المنطقة تنتمي إلى الشركة العائلية نفسها، التي تأسست في 1886 متجرا للكتب المستعملة على أرصفة نهر السين – قد لا ينجو من جائحة كوفيد – 19.
اتخذت الشركة خطوات نحو إغلاق المتجر الموجود في ميدان سان ميشيل بحلول آذار (مارس) المقبل بعد أن بيع المبنى نفسه هذا الصيف، وفقا لوسائل الإعلام الفرنسية. الخطط الدقيقة غير واضحة لأن المفاوضات مع النقابات بشأن العاملين في المتجر لا تزال جارية.
مشاكله ليست فقط بسبب الفيروس، على الرغم من أن غياب السياح والطلاب قضى على مستويات الإقبال. الحقيقة هي أن شركة جيبير جون وشركتها الشقيقة جيبير جوزيف تعانيان المتاعب منذ أعوام لأنهما كانا بطيئتين في التكيف مع العصر الرقمي، وتخسران الحصة السوقية أمام أمازون.
الوباء كشف بلا رحمة متاجر التجزئة الفعلية على الأرض في فرنسا التي لم يعد بإمكانها الإفلات من تجاهل التجارة الإلكترونية.
لا تزال باريس موطنا لكثير من المتاجر المستقلة التي تبيع كل شيء من آلات الجيتار إلى الكتب، لكنها تكافح في الوقت الذي يشتري فيه المستهلكون المزيد عبر الإنترنت، بتشجيع من ثلاثة أشهر من الإغلاق. في حين أن نحو85 في المائة من الشركات الصغيرة الفرنسية لديها مواقع على الإنترنت، إلا أن 26 في المائة فقط كانت في الواقع تبيع عبر الإنترنت، وفقا لمسح حكومي في 2019. كما أزالت الإنترنت أيضا الحماية التي كانت توفرها في السابق قواعد التخطيط الحضري الصارمة التي تعرقل انتشار المتاجر المتسلسلة في مراكز المدن.
في حين أن الإغلاق الذي يلوح في الأفق لمتجر جيبير جون أثار حالة من الحزن بين كثير من الباريسيين المحبين للكتب، إلا أن الأمر الذي لم يلاحظ بالقدر نفسه هو أن كثيرا من المتاجر في المنطقة أصبحت مغلقة الآن. ترك فيروس كوفيد – 19 ندوبا عميقة في المشهد الحضري. أحصيت أخيرا 12 واجهة متجر فارغة على طول بوليفار سان ميشيل، على امتداد أقل من كيلو متر واحد من النافورة إلى حدائق لوكسمبورج. كانت ثلاثة متاجر ملابس قد تقدمت بطلب لإعادة هيكلة محمية من قبل المحكمة هذا العام، مثل ناف ناف وأندريه.
عمليات الإغلاق هي دلالة على مدى سرعة إعادة الضبط التي تشهدها سوق العقارات التجارية في أجزاء معينة من العاصمة الفرنسية. إلى جانب الأماكن الشاغرة الظاهرة، هناك أيضا كثير من الشركات التي تختار عدم تجديد عقود الإيجار، وفقا لخبراء العقارات.
قال كريستيان دوبوا، الذي يرأس خدمات البيع بالتجزئة لشركة كوشمان آند ويكفيلد في فرنسا: “لم أر في حياتي مطلقا مساحة كبيرة بهذا الحجم متاحة في السوق خلال مسيرتي المهنية المستمرة منذ 25 عاما. ستكون كارثة إذا ظلت واجهات المحال الفارغة فارغة لفترة طويلة”.
على الرغم من هذه المخاوف، الصدمة التي تتعرض لها سوق العقارات التجارية يمكن أن تكون شيئا جيدا لباريس. كانت إيجارات المتاجر والمكاتب تشهد ارتفاعا منذ أعوام في أكثر مدن أوروبا كثافة. بقيادة أمثال زرا Zara وإتش آند إم H&M، كانت شركات البيع بالتجزئة تسعى باستمرار إلى زيادة الأمتار المربعة لخدمة المتسوقين المحليين و50 مليون سائح زاروا قبل عام من وباء كوفيد – 19.
كل هذا يحتاج الآن إلى إعادة تفكير. أدى الوباء إلى تسريع تبني التسوق عبر الإنترنت، وتعزيز العمل عن بعد، وأهلك السياحة الدولية. لكل من هذه التغييرات تأثير غير مباشر في الإقبال على شوارع وأحياء المدينة.
قد تكون بعض التغييرات مؤقتة لكن بعض آخر هيكلي. المشكلة هي أنه في الوقت الحالي، من الصعب معرفة أيهما مؤقت وأيهما هيكلي. قد يؤدي وصول اللقاحات إلى تغيير سلوك الناس مرة أخرى.
لكن يوجد شيء واحد واضح: يتوقع خبراء العقارات تصحيحا لأسعار العقارات التجارية. عندما تنخفض الإيجارات، سيحاول أصحاب المشاريع تجربة أشياء جديدة في أحياء لم يكن بمقدورهم تحمل تكاليفها في السابق.
متجر للبقالة بالقرب من مكتبي افتتح أخيرا مساحة عمل مشتركة في طابقه الثاني المهجور سابقا فوق ممرات الحبوب والفواكه الطازجة وصابون الغسيل. إنه أمر غريب بعض الشيء، لكن المكاتب نظيفة ومشرقة وأرخص بكثير من وي ويرك.
للحصول على علامة أخرى من الأمل، لا تنظر إلى أبعد من ريني أوبتي، صاحب مكتبة مستقلة اشترى متجرا آخر من متاجر جيبير جون على الضفة اليمنى. وهو يعتزم إنفاق 1.5 مليون يورو على أعمال التجديد قبل إعادة افتتاحه ليصبح تعاونيا للأفكار حيث يكون الموظفون مالكين جزئيا وحيث الكتب عن القضايا الاجتماعية والبيئة تكون لها الأولوية.
قال لبودكاست على موقع صحيفة ليزيكو: “أريد أن يكون مكانا رمزيا يمنح الأمل في أن يكون للمكتبات مستقبل إذا أعادت اختراع نفسها. إذا استطاع تحقيق ذلك، فإن روح جيبير جون ستعيش”.










