كان لدى جاي باول وستيفن منوشين أسباب كثيرة للجدال على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، بدءا من هجمات دونالد ترمب الشخصية على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى التوترات التجارية وتعامل الرئيس مع الجائحة.
لكن الخلاف بين أكبر اثنين من صناع السياسة الاقتصادية في أمريكا لم يخرج عن السيطرة سوى الأسبوع الماضي، بعد أن أوقف وزير الخزانة جزءا من تسهيلات إقراض البنك المركزي لمواجهة الأزمات ولم يتبق له سوى شهرين تقريبا في منصبه، وهو ما يعارض رغبات باول.
خطوة منوشين عرضت للخطر شراكة فعالة للغاية مع باول كانت ضرورية لتأمين استجابة سياسة أمريكية ضخمة لأزمة فيروس كورونا في وقت مبكر. لم يخف البنك المركزي حقيقة أنه يريد الحفاظ على التسهيلات الائتمانية التي استبعدها وزير الخزانة باعتبارها سلاحا رئيسا في ترسانته للحفاظ على صحة الأسواق خلال الجائحة.
قال ديفيد ويسل، مدير مركز هتشينز للسياسة المالية والنقدية، وهو مؤسسة فكرية في واشنطن: “لطالما كانت هناك توترات بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، لكن كانت هناك دائما محاولات جاهدة لإبقائها خاصة”. أضاف: “هذا يبدو في غاية الخطورة (…) مثل إخبار مركز الإطفاء بأننا سنقطع المياه من الآن حتى افتتاحه، ونأمل ألا يندلع أي حريق”.
إذا استمر الانتعاش الاقتصادي دون حدوث تراجع يكون ناتجا عن زيادة جديدة في الإصابات ونقص في الدعم المالي، فقد تصبح المخاوف بشأن تأثير قرار منوشين لا أهمية لها. لكن إذا كانت الأسواق المالية ستشهد اضطرابات جديدة في الأشهر المقبلة، فقد يكافح “الاحتياطي الفيدرالي” للحد من الضرر الذي يلحق بالمستثمرين في ديون الشركات، والسندات البلدية والسيادية، والأوراق المالية المدعومة بالأصول، التي كانت أسواقها مدعومة بالتسهيلات التي تم تعليقها. وقد تكون التداعيات أوسع نطاقا، بالنظر إلى أن سوق الأسهم الأمريكية التي بلغت قيمتها نحو 40 تريليون دولار كانت مدعومة بتدخل “الاحتياطي الفيدرالي” أيضا.
قال إد الحسيني، المحلل في شركة كولومبيا ثريدنيدل: “هذا خطأ في السياسة، لا شك في ذلك. هذه تسهيلات قدمت دعما للحالات الطارئة وعلى حد علمنا لم تنته حالة الطوارئ. هذا يقلص مجموعة أدوات “الاحتياطي الفيدرالي” قبل الأوان”.
قد يكون أكبر عزاء للأسواق هو أن وزارة الخزانة وافقت بالفعل على تجديد التسهيلات الائتمانية لبنك الاحتياطي الفيدرالي لمدة ثلاثة أشهر، وهي تسهيلات تم إنشاؤها لدعم أسواق التمويل قصيرة الأجل، مثل الأوراق التجارية وصناديق الاستثمار في أسواق المال التي واجهت مشكلات كبيرة في آذار (مارس) الماضي.
لكن الخسائر التي يمكن أن تنجم عن إنهاء منوشين للبرامج قد تكون كبيرة حتى لو كان استخدامها منخفضا حتى الآن. من الأمور التي ستحظى باهتمام خاص ستكون نهاية اثنين من التسهيلات التي تم إنشاؤها لشراء سندات الشركات، بما في ذلك بعض السندات غير المرغوب فيها، وواحد لمنح إمكانية الوصول إلى الائتمان لحكومات الولايات والحكومات المحلية في وقت تعاني فيه ضائقة مالية متزايدة مع عدم وجود مساعدات مالية من الحكومة الفيدرالية يمكن أن تصل في وقت قريب.
كانت الأسواق فاترة نسبيا بعد أن ظهر الخلاف بين باول ومنوشين إلى العلن، في وقت شهد تسطيحا في أجزاء من منحنى عائد سندات الخزانة. قال مستثمرون: إن هناك توقعات بأن يتم دفع “الاحتياطي الفيدرالي” إلى شراء مزيد من السندات ولا سيما السندات ذات آجال الاستحقاق الطويلة لمدة 10 أو 30 عاما، للمساعدة على تعويض قرار وزارة الخزانة.
قال بريان والين، مدير محفظة في “تي سي دبليو” TCW بغض النظر عن الاستخدام المحدود للبرامج، كان وجودها كافيا لغرس الثقة في الأسواق في آذار (مارس) الماضي، وهذا وحده جعلها تحقق نجاحا.
أضاف: “السندات التي تم شراؤها أو القروض التي تم تقديمها في حد ذاتها، لم تكن ذات مغزى. لكن إجمالا عندما تنظر إلى قائمة البرامج، وليس فقط إلى الأموال التي تم تخصيصها من الخزانة و”الاحتياطي الفيدرالي” لكن حجم القطاعات التي كانت تتطرق إليها بشكل جماعي، كان ذلك مهما جدا.
من بين البرامج، ربما كان برنامج إقراض الشارع الرئيس هو الأكثر تعرضا للتهكم والسخرية، نظرا لقلة نفقاته. حث كثير من الشركات والمشرعين مجلس الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة على تخفيف شروط التسهيلات لزيادة الطلب واستخدام قدرتها البالغة 600 مليار دولار، لكن الإقبال ظل ضعيفا لأن بعض الشركات المتعثرة، بما في ذلك مجموعات العقارات التجارية وتجار التجزئة اعتقدت أن التسهيلات لم تكن سخية بما فيه الكفاية. تقدمت “سينشري 21″، شركة التسويق العقاري الشهيرة في مدينة نيويورك، بطلب الإفلاس بعد فشلها في تلبية معايير التسهيلات.
السؤال الذي يزعج المستثمرين هو مدى سرعة استئناف البرامج إذا تراجعت الأسواق مرة أخرى. يمكن لوزارة الخزانة، سواء في عهد منوشين الذي سينتهي في 20 كانون الثاني (يناير) أو خليفته في إدارة جو بايدن بعد ذلك، الاستفادة من صندوق تثبيت أسعار الصرف دون موافقة الكونجرس لاستئناف التسهيلات، لكن ستكون قدرته أقل من هذا العام. قد يكون حمل الكونجرس على الموافقة على زيادة التمويل أمرا صعبا مع معارضة كثير من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين استئنافها.
قال الحسيني: “من الناحية السياسية، العقبة أمام إنفاذ هذه التسهيلات في المرة المقبلة أعلى بكثير. سيكون هناك أشخاص في الكونجرس يقولون بشكل صحيح إن هذه البرامج حققت الفائدة للشركات الكبرى بشكل غير متناسب”.
كان بإمكان باول تصعيد الخلاف مع منوشين أكثر من خلال رفض إعادة الأموال غير المستخدمة من التسهيلات إلى وزارة الخزانة، في الواقع لمنع إيقافها. لكن بدلا من ذلك، في رسالة أرسلها الأسبوع الماضي، يمكن أن تجنبه معركة سياسية شرسة مع إدارة ترمب المنتهية ولايته، أوضح أنه سيلتزم بقرار منوشين، وأشاد بعملهما معا في التسهيلات في المقام الأول.
قال: “ساعدت جهودنا على منع اضطرابات شديدة في النظام المالي وحررت تريليونات الدولارات من الإقراض الخاص للأسر والشركات والبلديات في وقت كان فيه الاقتصاد في أمس الحاجة إليها”.









