▪︎ مجلس نيوز
ارتفعت أسعار النفط الخام مجددا، وهذا الخبر يبعث على الاطمئنان حول التحديات الاقتصادية المقبلة، فقد واصلت أسعار النفط المكاسب وصعد خام برنت إلى 67.49 دولار للبرميل وارتفع خام غرب تكساس إلى 64.04 دولار، وأصبح الحديث اليوم عن سقف الأسعار المحتمل في صيف 2021 الذي قد يبلغ 80 دولارا. إن هذا الوضع الذي تعيشه الأسواق اليوم يحمل الأدلة الكافية عن الأسباب الكامنة خلف الانهيار الذي أصاب الأسواق في شتاء العام الماضي، فعلى الرغم من الأنباء السيئة والمشاهد المروعة بشأن انتشار سلالات متحورة من فيروس كورونا في الهند والبرازيل، التي تشبه تماما تلك التي انتشرت في الصين في بدايات الأزمة لكن ردة فعل الأسواق على هذه الهجمة مختلفة تماما الآن.
ففي الندوة الدولية الخامسة المشتركة بين وكالة الطاقة الدولية ومنتدى الطاقة ومنظمة أوبك حول آفاق سوق الفحم والغاز، يشير الأمين العام لمنظمة أوبك إلى أن الجائحة كانت تذكيرا صارخا بأهمية التعاون العالمي في مجال الطاقة في مواجهة أزمات الصناعة الخطيرة، كما أنها عززت الحوار والتفاهم بين المنتج والمستهلك. هنا نذكر بالجهود الكبيرة جدا التي قادتها السعودية لتحقيق هذا التفاهم والتعاون العالمي، والتي استطاعت من خلاله إعادة مجموعة “أوبك +” مع حلفاء آخرين إلى حوار بناء نتج من خلالها خطط تم تنفيذها بنجاح لتخفيض حجم الإنتاج ووصل الأمر إلى تبني السعودية وحدها تخفيضات طوعية أسهمت في العودة إلى التوازن. لهذا فإن الحقيقة الكبرى في التعافي العالمي تعود إلى فضل الله ثم الحكمة السعودية وقدراتها الاقتصادية في تحمل الصدمات والتصرف بحكمة وهدوء، ولو أن الأمر بقي للصراع والمنافسة، وسط هذه الجائحة لكانت الأمور قد بقيت من سيئ إلى أسوأ، ولهذا فإنه ورغم استمرار شبح الجائحة وبقاء لغة الإغلاق الاقتصادي في بعض الدول الأوروبية، إلا أن المنتجين يتحدثون عن خطط زيادة المعروض التدريجية بدءا من الشهر المقبل مع تنامي توقعات تعافي الطلب العالمي على النفط الخام.
لهذا يجب ألا ينسى العالم أن ينسب الفضل للحكمة السعودية في تلك الأيام الصعبة، وأن التاريخ يسجل بمداد من ذهب كيف تغلبت الدبلوماسية الاقتصادية السعودية على كل الصخب الإعلامي التشاؤمي، وعلى كل التعنت من الدول المنتجة خارج “أوبك” وكيف أعادت الروح إلى تحالف “أوبك +”، وتحملت بثبات وصبر أثر التخفيضات الطوعية، رغم أن السعودية عانت في ذروة الجائحة كما عانت باقي دول العالم. وتعني الدبلوماسية الاقتصادية في بعض صورها استخدام الدولة لمقدراتها وإمكاناتها للتأثير في مصالحها ومصالح الدول الأخرى.
فالانتعاش الذي يعم الأسواق ولغة التفاؤل رغم بقاء تهديدات الجائحة يعودان إلى الثقة الكبيرة بالحكمة السعودية. بالتأكيد أن أسعار النفط تتأثر بعوامل اقتصادية مادية بحتة، مثل حجم المخزونات الأمريكية، وقيمة الدولار، لكن هذه العوامل جميعها تصب في جانب الطلب، لكن جانب العرض محكوم تماما بالحوار والتفاهم، وأيضا محكوم بقدرة المنتجين على الاستجابة الجماعية الصحيحة في الوقت الصحيح، وهنا تأتي الثقة والحكمة السعودية ممثلا عن هذا كله، ولو تم استبعاد السعودية من المعادلة فإن الوضع الآن لن يكون بهذا الشكل.
فلقد سجلت العقود الآجلة ارتفاعا بنحو 1.5 في المائة، وهذه العقود هي من نوع التحوط لمقابلة ارتفاع الأسعار أكثر مما هو متوقع، ما يعكس الرؤية المستقبلية الإيجابية لاتجاهات توازن السوق على المدى القصير، فرغم الجائحة وهجمة السلالات المتحورة وصعوبة المشاهد المروعة وحديث السياسيين عن إغلاقات محتملة لوقف انتشار هذه السلالات الجديدة فإن الأسواق تتوقع توازن العرض والطلب عند مستويات 80 دولارا، فالمسألة ليست محكومة بقواعد العرض والطلب البحتة بل بقواعد الحوار والتفاهم والحوكمة الجيدة التي تقف السعودية على رأسها اليوم.
إذا كان الأمر بهذا الشكل فإن مستقبل الطاقة وتحولاتها سيكون سعوديا دون أدنى شك، ولقد كان النقاش حافلا بموضوع انتقال الطاقة في الندوة الدولية الخامسة المشتركة التي نقلت “الاقتصادية” أهم وقائعها، الذي يعني حدوث تغيير جذري في عملية إنتاج الطاقة نحو مزيج يحقق المتطلبات البيئية.
لكن من المعروف تماما أن نجاح هذا الانتقال في الطاقة لا ينتج عن تطور التقنية أو تقلبات الأسعار، بل منبعه الإرادة السياسية للحكومات والشعوب والرغبة الجادة في الحد من الآثار السلبية على المناخ. هنا نعود تماما للدور الحاسم للدول المنتجة وقوة السعودية كمحركة وقائدة للحوار، فالحديث عن تراجع حصة النفط في المستقبل هو حديث غير ذي صلة بالواقع النفط وسيبقى النفط أكبر مساهم في مزيج الطاقة بنحو 31 في المائة حتى عام 2045. وهنا نذكر بالجهود الكبيرة التي تقودها المملكة نحو تعامل واقعي مع الظروف التي تواجه الدول في ظل رغبتها الصادقة في الحصول على طاقة نظيفة، لهذا فإن الحديث يجب أن يتحول من انتقال الطاقة إلى الانتقال نحو تكنولوجيا أنظف وأكثر كفاءة مثل استخدام وتخزين الكربون CCUS مع تعزيز الاقتصاد الدائري للكربون CCE كوسيلة لتحسين الأداء البيئي العام.
إن هذه الجهود الحثيثة والإيجابية جاءت نتيجة ما تبنته السعودية في مبادراتها لقمة العشرين التي انعقدت في الرياض عن طريق الاتصال المرئي، كما نجحت الرياض أيضا عمليا في تخزين الكربون وإنتاج الهيدروجين والأمونيا، ما يسهم في تكنولوجيا أنظف مع الحفاظ على مستويات عرض مناسبة للنفط تحقق توازنا اقتصاديا عالميا.













