مجلس نيوز | majlis-news
منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت أزمة المياه على مستوى العالم تظهر على الساحة، وقليل من الدول تمكن من إطلاق ما يمكن تسميته “ثقافة المحافظة على المياه”، التي تحولت مع الوقت إلى حملة مستمرة في كل الدول دون استثناء، تحت عنوان “ترشيد المياه”، في وقت يزداد الطلب على المياه في شتى أنحاء العالم.
فحتى الدول التي تتمتع بقدر وفير من هذه الثروة الغالية، دفعت باتجاه الترشيد خوفا على حصة الأجيال القادمة من هذه الثروة التي تصنع الحياة في النهاية. لكن المشكلة الرئيسة أن معظم المجتمعات لا تزال تعتقد أن المياه ستبقى متوافرة، وهذا ما دفع الأمم المتحدة أخيرا إلى الاعتقاد أن هذا الاستنتاج الخطير، يعود ربما إلى عدم اعتراف هذه المجتمعات بقيمة المياه أصلا، ولذلك، لا يزال الهدر حاضرا على الساحة بأشكال مختلفة. والأمر لا ينحصر في مناطق تعاني شح المياه، بل يشمل حتى تلك التي تتوافر فيها هذه الثروة بقوة، فهذه الأخيرة أقدمت بالفعل على حملات لا تتوقف من أجل وقف الهدر أو حتى الحد منه، عبر آليات مختلفة، من بينها رفع فواتير المياه، وفرض قيود على استخدامها في الأوقات التي تشهد موجات الحر المرتفعة.
إلا أن المشكلة على الصعيد العالمي تتعاظم، مع ارتفاع النمو السكاني في كل المناطق دون استثناء، فضلا عن التغير المناخي الذي فرض قواعده بدءا من منتصف القرن الماضي. فارتفاع حرارة الكرة الأرضية في الأعوام الماضية، أسهم في خفض منسوب المياه الصالحة للاستخدام الآدمي، بما في ذلك تراجع مستوى الأمطار حتى في المناطق المعروفة بأنها الحاضنة الأكبر للأمطار على مدار العام. ويرجح أن يحد تغير المناخ من مدى توافر المياه العذبة في كثير من المناطق، هذا ما يحذر منه التقرير الأحدث للأمم المتحدة عن تنمية الموارد المائية في العالم الذي يتناول موضوع “إدارة المياه في ظروف صعبة ومحفوفة بالمخاطر.
واللافت، بحسب تقرير الأمم المتحدة، أن تعميم إمكانية الحصول على المياه الصالحة للشرب، والانتفاع بمرافق الصرف الصحي في 140 من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، لا يكلف أكثر من 114 مليار دولار. وهذا المبلغ يعد بسيطا جدا، إذا ما أخذنا في الحسبان المنافع على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي في الدول المشار إليها.
والمثير في الأمر، أن ما تمت تسميته “الذهب الأزرق”، يتعسر على أكثر من ملياري شخص الانتفاع به مباشرة، ومن هنا، تتحرك الجهات الدولية المعنية من أجل أن تنشر ثقافة جديدة ترتبط بشكل أساسي بتكريس المفاهيم الخاصة بقيمة المياه، فالشيء الذي ترتفع قيمته حتى المعنوية منها، يحظى بالرعاية والاهتمام أكثر، ومن هنا، كان تقدير المنظمة الدولية بأن من أسباب هدر المياه هو عدم معرفة قيمتها في المجتمعات. لا تقدر المياه فعليا بثمن، وقيمتها لا تنضب.
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أوصانا بعدم الإسراف في الماء ولو كنا على نهر جار. ويتحرك المختصون حول العالم، لتكريس حقيقة أن قيمة المياه، إلى جانب نقطة مهمة حقا، وهي ألا يتم الخلط بين مفاهيم السعر والتكلفة من جهة والقيمة من جهة أخرى.
وتؤكد المنظمات المعنية، أن مفهوم القيمة أوسع بكثير من مفاهيم السعر والتكلفة. دون أن ننسى، أن المياه مورد متغير، ويصعب فعلا الوصول إلى تحديد قيمة عادلة لهذا المورد، وهي في النهاية ليست مادة أولية يمكن معاملتها معاملة المنتجات الاستهلاكية والتفاوض على سعرها. وعلى هذا الأساس، لا بد أن يتحرك العالم من أجل المحافظة على هذه الثروة، والعمل المتواصل كي تكون متوافرة في كل الأزمنة.
فما يهدر حاليا من هذه المادة الحياتية، هو من حق أجيال لم تأت إلى هذا العالم بعد، خاصة أن الطلب على الموارد المائية يشهد ارتفاعا هائلا خلال الفترة الماضية والحالية في جميع القطاعات الرئيسة المستخدمة للمياه.










