▪︎ مجلس نيوز
.
أكد أمين عام المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر الدكتور عبدالله المهيدلي، في كلمة بمناسبة اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب، أن النزاعات المسلحة تخلّف دماراً بيئياً طويل الأمد يهدد صحة الإنسان والتنمية المستدامة، مطالباً بتفعيل القوانين الدولية، وتوثيق الأضرار، ومحاسبة المتسببين،…
أكد أمين عام المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر (أركو) الدكتور عبدالله بن سهيل المهيدلي، أن البيئة ظلت منذ زمن بعيد ضحية صامتة للحروب والنزاعات المسلحة، بما تلحقه بها من أضرار بالغة تصادر حق الإنسان في العيش ضمن بيئة سليمة وصحية ومستقرة، خالية من الملوثات والمؤثرات التي تهدد صحته وحياته.
جاء ذلك في كلمة ألقاها المهيدلي بمناسبة اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والنزاعات المسلحة، الذي يوافق السادس من نوفمبر من كل عام.
وقال المهيدلي: «الدمار الذي تخلفه الحروب لا يقتصر على الخسائر البشرية، بل يمتد ليشمل تدمير البنية التحتية، بما فيها محطات المياه والصرف الصحي والكهرباء والمنشآت الصناعية، وتلوث التربة والمياه، وتدمير الغطاء النباتي من خلال إحراق الغابات والمراعي والمحاصيل الزراعية، وتدهور التنوع البيولوجي».
وأضاف أن هذه الأضرار تشمل كذلك المخلفات الحربية من ألغام وذخائر غير منفجرة تهدد حياة السكان والحياة البرية وتعوق استغلال الأراضي وإعادة تأهيلها، فضلاً عن التلوث الصناعي والكيميائي والإشعاعي الناجم عن تضرر المنشآت الصناعية ومنشآت الطاقة والمواد الخطرة، واستنزاف الموارد الطبيعية وتدهور النظم البيئية، وتلوث الهواء والماء والتربة بمخلفات الأسلحة.
وأوضح أن الاحتفاء بهذا اليوم يأتي تأكيداً لأهمية حماية البيئة من التدمير والتلوث، وصوناً للأمن الصحي والإنساني، وتسليطاً للضوء على الآثار المدمرة للحروب والنزاعات المسلحة على مكونات البيئة ومواردها الطبيعية، مشيراً إلى أن الأضرار البيئية لا تتوقف بانتهاء العمليات العسكرية.
وأشار المهيدلي إلى أن حماية البيئة أثناء الحروب والنزاعات المسلحة لم تعد قضية بيئية أو إنسانية ثانوية، بل أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة حماية الإنسان وحقوقه، ومن متطلبات الأمن الإنساني والاستقرار والتنمية المستدامة، لافتاً إلى أن الحروب قد تترك وراءها بيئة مدمرة ومياهاً ملوثة وهواءً محملاً بالسموم وأنظمة بيئية عاجزة عن تجديد مواردها، وقد تستمر هذه الأضرار عقوداً بعد توقف العمليات العسكرية لتتحول من كارثة آنية إلى تهديد طويل الأمد للأجيال القادمة.
وصاغ المهيدلي معادلة جوهرية قائلاً: «لا يمكن حماية الإنسان بمعزل عن حماية البيئة التي يعيش فيها، ولا يمكن تحقيق سلام مستدام فوق أرض ملوثة ومدمرة».
تدابير متكاملة لحماية البيئة
ودعا أمين عام أركو إلى تحرك متكامل على المستويات القانونية والإنسانية والبيئية، مستعرضاً جملة من التدابير الأساسية، أبرزها:
– تفعيل القانون الدولي الإنساني: العمل على تفعيل قواعده المتعلقة بحماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة، وتعزيز الالتزام بالاتفاقيات والقواعد الدولية التي تحظر إحداث أضرار جسيمة بالبيئة.
– تطوير قواعد دولية أكثر وضوحاً وفاعلية: لحماية البيئة في أوقات النزاعات المسلحة، ووضع بروتوكولات وآليات دولية لتقييم الأضرار البيئية وتوثيقها، وتحديد المسؤوليات القانونية والتعويضات المترتبة عليها.
– تفعيل آليات الرقابة الدولية: لضمان احترام القواعد والاتفاقيات المقررة لحماية البيئة، وتعزيز المساءلة عن الانتهاكات، بما يضمن عدم إفلات المسؤولين من المحاسبة وفقاً للقانون الدولي.
– إدراج حماية البيئة ضمن أولويات عمليات حفظ السلام وبرامج بناء السلام وإعادة الإعمار، بحيث تمتد جهود إنهاء النزاعات إلى إصلاح الأضرار البيئية وإعادة تأهيل الموارد الطبيعية.
– تسليط الضوء على الأضرار البيئية الناجمة عن النزاعات المسلحة، وتذكير المجتمع الدولي بأن الحفاظ على البيئة جزء لا يتجزأ من منظومة السلام المستدام، وأنه لا يجوز تحويل مواردها ومكوناتها إلى أدوات للحرب والصراع.
– ترسيخ الوعي بأن البيئة ليست مجرد موارد طبيعية أو مكونات مادية، بل هي شرط أساسي لبقاء المجتمعات واستمرار الحياة؛ إذ إن تلوث مياه الشرب يعرض الإنسان للأمراض، وتدمير الأراضي الزراعية يهدد الأمن الغذائي، واحتراق الغابات وتدهور المراعي قد يدفعان السكان إلى النزوح والهجرة.
– حث المنظمات الإنسانية على توسيع مفهوم الاستجابة الإنسانية ليشمل الحماية البيئية باعتبارها أحد المحددات الأساسية للصحة العامة والأمن الغذائي والمائي، وأحد شروط التعافي الإنساني المستدام.
– تضافر جهود الأفراد والجماعات والهيئات والمنظمات والدول، وتعزيز الشراكات والتعاون الدولي من أجل حماية البيئة ومواجهة الممارسات التي تهدد مواردها ومكوناتها الطبيعية.
– ربط تحقيق أهداف التنمية المستدامة بالعمل على الحد من التدهور البيئي والتغير المناخي، ومعالجة العوامل التي قد تسهم في تأجيج النزاعات المسلحة، والالتزام بحماية كوكب الأرض من الآثار المدمرة للحروب.
– إدماج الاعتبارات البيئية في الخطط والاستراتيجيات الشاملة لمنع نشوب النزاعات المسلحة وصون السلام وبنائه، إذ لا يمكن إرساء سلام دائم إذا دُمرت الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها سبل العيش واختلت النظم البيئية التي تدعم استمرار الحياة.
– التأكيد على أن قضايا البيئة لم تعد شأناً داخلياً أو إقليمياً يخص دولة بعينها، بل أصبحت قضايا عابرة للحدود تؤثر في العالم بأسره، مما يحتم على المجتمع الدولي تعزيز تحركه المشترك واستخدام الوسائل القانونية والعلمية والعملية لمواجهتها.
– تكثيف برامج التوعية بأهمية الحفاظ على البيئة من مختلف الأخطار، وتعزيز ثقافة التصالح مع الطبيعة وتحسين علاقة الإنسان بمحيطه البيئي، بما يضمن ترسيخ السلوكيات المسؤولة تجاه الموارد الطبيعية.
– حماية المكونات الأساسية للبيئة، بما يشمل الغطاء النباتي والتربة والهواء والمياه، والتصدي للممارسات البشرية المدمرة للطبيعة، مثل الاحتطاب الجائر والتلوث والاستنزاف غير المستدام للموارد الطبيعية.
دعوة للانتقال من الإدانة إلى المساءلة
واختتم المهيدلي كلمته بتساؤل جوهري: «بأي حق تتحول البيئة، التي تمثل أساس بقاء البشرية ومصدر استمرار الحياة، إلى ضحية صامتة للحروب والنزاعات المسلحة؟»
وأكد أن «حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة ليست ترفاً تشريعياً، ولا قضية يمكن تأجيلها إلى ما بعد إحلال السلام، وإنما هي التزام قانوني وأخلاقي وإنساني يجب أن يبدأ قبل اندلاع الحرب، ويستمر أثناءها وبعد انتهائها»، مضيفاً أن «السلام الذي لا يحمي الأرض والماء والهواء، ولا يعيد للإنسان حقه في العيش ضمن بيئة آمنة وصحية، يظل سلاماً منقوصاً».
ورأى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم هو الانتقال من مرحلة الاكتفاء بإدانة تدمير البيئة إلى بناء منظومة دولية فاعلة تجعل الاعتداء عليها قابلاً للرصد والتوثيق والإثبات والمساءلة والتعويض، وتضمن ألا تكون الطبيعة مرة أخرى ضحية لصراعات يدفع الإنسان والأجيال القادمة ثمنها.
وخلص إلى أن «البيئة ليست طرفاً في الحرب، ولا ينبغي أن تكون إحدى ضحاياها؛ وحمايتها ليست مسؤولية جيل أو دولة بعينها، بل مسؤولية إنسانية مشتركة، وشرط لا غنى عنه لصون الحياة وتحقيق السلام المستدام».













