▪︎ مجلس نيوز
.
كشف باحثون من الصين أن السوائل اللزجة المحيطة بالورم الأرومي الدبقي تساعد خلاياه على التكيّف لتصبح أصغر وأكثر مرونة وقدرة على اجتياز المساحات الضيقة، مع احتفاظها بما يشبه “ذاكرة ميكانيكية” تستمر بعد زوال المؤثر، ما يفتح آفاقًا لفهم جديد لمسارات الغزو السرطاني.
كشف باحثون صينيون أن السوائل اللزجة المحيطة بالورم الأرومي الدبقي تمنح خلاياه السرطانية «ذاكرة ميكانيكية» تجعلها أصغر حجماً وأكثر مرونة وقدرة على اختراق أنسجة الدماغ السليمة، في اكتشاف يفتح آفاقاً جديدة لفهم تطور هذا النوع من الأورام ومكافحته.
وبدلاً من أن تقتصر آثار هذه السوائل على إبطاء حركة الخلايا، أظهرت تجارب مخبرية أن التعرض المطوّل لها يجعل الخلايا أصغر وأكثر مرونة، ويساعدها على اجتياز المساحات الضيقة في أنسجة الدماغ. كما كشفت النتائج أن بعض هذه التغيرات تستمر حتى بعد نقل الخلايا إلى بيئة أقل لزوجة، بحسب تقرير نشره موقع «Science Daily».
كيف تؤثر لزوجة السوائل في الخلايا السرطانية؟
ركّزت أبحاث السرطان تقليدياً على الإشارات الكيميائية وصلابة الأنسجة المحيطة بالأورام، بينما حظيت لزوجة السوائل المحيطة بالخلايا باهتمام أقل. وفي الورم الأرومي الدبقي، وجد الباحثون أن السائل عند الحافة المتقدمة للورم أكثر لزوجة بنحو ثماني مرات مقارنة بالسائل الموجود في مركزه الميت.
ويفرض هذا الاختلاف مقاومة ميكانيكية أكبر على الخلايا التي تتحرك نحو أنسجة الدماغ السليمة. وأراد العلماء معرفة ما إذا كان التعرض المطوّل لهذه الظروف يغيّر طريقة حركة الخلايا وخصائصها، أم أن تأثير اللزوجة يقتصر على إعاقة انتقالها.
شريحة دقيقة تكشف أسرار التكيف
طوّر باحثون من مستشفى تشونغتشينغ العام وجامعة تشونغتشينغ في الصين منصة مفتوحة لتسوية الموائع، ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «Microsystems & Nanoengineering». وتتيح الشريحة التحكم في توقيت بدء هجرة الخلايا ومراقبة تغير شكل أنويتها أثناء عبورها ممرات ضيقة، مع تقليل التأثيرات الميكانيكية التي تفرضها جدران القنوات المغلقة التقليدية، كما تسمح بزراعة الخلايا ومتابعتها لفترات تصل إلى شهر.
واختبر الفريق خطين من خلايا الورم الأرومي الدبقي البشرية، هما U-251 وLN-229، بعد تعريضهما لمدة شهر لسائل لزج بلغت لزوجته 7.1 سنتي بويز، لمحاكاة الظروف الموجودة عند الحافة الغازية للورم. وعند اختبار الخلايا لاحقاً، وجد الباحثون أن الخلايا المتكيفة مع البيئة اللزجة تحركت بسرعة أكبر وقطعت مسافات أطول من خلايا المقارنة، رغم أن المتوقع أن تعوقها زيادة مقاومة السائل.
خلايا أصغر وأكثر مرونة
أظهرت الملاحظات المجهرية أن التعرض المطوّل للسوائل اللزجة جعل الخلايا أصغر حجماً وأكثر قابلية للتشوه، ما ساعدها على المرور عبر الفجوات الضيقة. كما تشوهت أنويتها أثناء عبور الممرات، ورصد الباحثون تراكم بروتين YAP داخل الأنوية، وهو مؤشر مرتبط باستجابة الخلايا للقوى الميكانيكية.
غير أن الاستجابة لم تكن متطابقة في الخطين الخلويين؛ إذ أظهرت خلايا U-251 تغيرات في نشاط جينات مرتبطة بالغزو السرطاني، منها CD44 وFN1 وMMP9، بينما أصبحت خلايا LN-229 أكثر مرونة وحركة دون تغيرات دائمة كبيرة في التعبير الجيني.
«ذاكرة ميكانيكية» تستمر بعد زوال المؤثر
من أبرز النتائج أن بعض التغيرات استمرت حتى بعد نقل الخلايا إلى سائل أقل لزوجة. ويشير ذلك إلى ما وصفه الباحثون بأنه «ذاكرة ميكانيكية»، تحتفظ فيها الخلايا بآثار التعرض السابق للإجهاد الفيزيائي بدلاً من العودة فوراً إلى حالتها الأصلية. ويعني هذا أن البيئة المحيطة قد لا تؤثر في حركة الخلايا لحظياً فحسب، بل قد تترك تغيرات مستمرة في خصائصها وسلوكها.
هل يمهد الاكتشاف لعلاجات جديدة؟
يرى الباحثون أن الشريحة قد تساعد في اختبار علاجات تستهدف مسارات الاستجابة للقوى الميكانيكية، ومنها المسارات المرتبطة ببروتين YAP، أو التغيرات التي تصيب الهيكل الخلوي وتؤثر في حركة الخلايا.
بيد أن النتائج لا تزال مستندة إلى تجارب مخبرية على خطوط خلوية، ولا تثبت أن الآلية ذاتها تزيد انتشار الورم لدى المرضى أو أن استهدافها سيحسّن نتائج العلاج. ومع ذلك، يفتح البحث مجالاً جديداً لفهم كيفية تأثير الخصائص الفيزيائية للبيئة المحيطة في قدرة الخلايا السرطانية على التكيف والغزو.













