▪︎ مجلس نيوز
.
أوضح المهندس جاسم الشمري، سفير الصناعة السعودية، أن حماية الأسواق من الممارسات التجارية الضارة ليست مفهومًا حديثًا، مستشهدًا بواقعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع التاجر حاطب بن أبي بلتعة في سوق المدينة، بوصفها نموذجًا مبكرًا للرقابة الاقتصادية وحماية المنافسة ومنع البيع الضار بالسوق.
أكد المهندس جاسم الشمري، سفير الصناعة السعودية، في تصريح لـ«سبق»، أن جذور حماية الأسواق من الممارسات التجارية الضارة تمتد عميقًا في التاريخ، مشيرًا إلى أن واقعة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع التاجر حاطب بن أبي بلتعة في سوق المدينة المنورة تُعد من أشهر الوقائع التاريخية التي يُستدل بها على الرقابة الاقتصادية وحماية المنافسة، وذلك في وقت يرتبط فيه مصطلح الإغراق التجاري اليوم بالتجارة الدولية وقوانين منظمة التجارة العالمية ورسوم مكافحة الإغراق.
وأوضح الشمري أن سوق المدينة كان يعج بالتجار والقوافل القادمة من مختلف المناطق، وكانت حركة البيع والشراء تمثل عصب النشاط الاقتصادي للمجتمع الإسلامي الناشئ. وفي إحدى جولاته الرقابية على السوق، مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالتاجر حاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع الزبيب بسعر يقل عن السعر المتداول بين بقية التجار، فقال له: «إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا».
وأشار الشمري إلى أن هذه العبارة قد تبدو للوهلة الأولى مخالفة لمفهوم حرية الأسعار، إلا أن الفقهاء والمؤرخين الذين تناولوا هذه الواقعة أوضحوا أن تدخل عمر لم يكن لمجرد انخفاض السعر، وإنما لمنع ما قد يترتب عليه من إضرار بالسوق وإفساد للمنافسة بين التجار.
وبيّن الشمري أن الأسواق السليمة تقوم على التنافس المشروع الذي يحقق مصلحة المستهلك والتاجر معًا، لكن عندما يلجأ أحد المتعاملين إلى البيع بأسعار منخفضة بصورة تضر بالمنافسين وتؤدي إلى إخراجهم من السوق، فإن الأمر لا يعود مجرد منافسة طبيعية، بل يتحول إلى ممارسة قد تهدد استقرار السوق بأكمله.
وأضاف أن حماية السوق لا تقتصر على منع الغش والاحتكار فحسب، بل تشمل كذلك منع الممارسات التي يمكن أن تخل بتوازن المنافسة أو تلحق الضرر بالمشاركين فيها.
ولفت الشمري إلى أن مفهوم الإغراق التجاري بصيغته القانونية الحديثة لم يكن معروفًا في ذلك العصر، إلا أن بعض الباحثين يستشهدون بهذه الواقعة بوصفها نموذجًا تاريخيًا لفكرة مكافحة الإغراق أو البيع الضار بالمنافسة، إذ ارتبطت بمسألة حماية السوق من الممارسات التي قد تؤدي إلى السيطرة عليه أو الإضرار بمتعامليه على المدى الطويل.
وأكد أن هذه الواقعة تعكس رؤية اقتصادية في تنظيم الأسواق وتحقيق العدالة التجارية، مع ضرورة التمييز بين المفاهيم التاريخية والاجتهادات المرتبطة بها، وبين التعريفات القانونية الحديثة للإغراق التجاري.
وأشار الشمري إلى أن الدول تتبنى اليوم تشريعات متخصصة لمكافحة الإغراق التجاري، وتمنح الجهات المختصة صلاحية التحقيق في الحالات التي تُباع فيها المنتجات بأسعار تقل عن قيمتها العادية، متى توافرت الشروط القانونية وثبت الضرر بالصناعة الوطنية، وفقًا للقواعد المعمول بها في التجارة الدولية.
وأضاف أن دعاوى الإغراق أصبحت جزءًا مهمًا من منظومة التجارة الدولية وحماية الصناعات الوطنية، مؤكدًا أنه على الرغم من اختلاف الأدوات القانونية بين الماضي والحاضر، فإن المبدأ الأساسي يتمثل في أن السوق العادلة لا تقوم على الاحتكار ولا على الإقصاء المتعمد للمنافسين، وإنما على المنافسة المشروعة التي تحقق التوازن بين مصالح جميع الأطراف.
وخلص الشمري إلى أن واقعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع حاطب بن أبي بلتعة في سوق المدينة تؤكد أن العدالة التجارية وحماية الأسواق من الممارسات الضارة ليست مفاهيم حديثة فحسب، بل موضوعات لها جذور راسخة في التراث الاقتصادي الإسلامي، مستشهدًا بقوله: «إن حماية السوق ليست منعًا للمنافسة، بل حماية لها من أن تتحول إلى وسيلة للإضرار بالآخرين».














