▪︎ مجلس نيوز
.
تروي الكاتبة موقفاً شخصياً حين أزعجها وابلٌ من رسائل عمل متأخرة من رقم غريب، ظنّت معها بدايةً أن مكروهاً أصاب والدها المريض، قبل أن تكتشف أنها مجرد استفسارات روتينية لا تستدعي الاستعجال. ومن هذا الموقف تنتقد ثقافة استباحة أوقات الآخرين عبر وسائل التواصل، وتؤكد أن امتلاك رقم الهاتف لا يعني امتلاك الح…
في إحدى الليالي، أنهيت عملي الذي تأجّل إنجازه إلى ساعة متأخرة، ولم يكن النوم قد طرق أبوابي بعد، كما لم يكن في نفسي ميلٌ إلى الاستسلام له. آثرتُ أن أستثمر هدوء الليل في ممارسة هوايتي الأثيرة إلى قلبي؛ القراءة، تلك الرفيقة التي ألوذ بها كلما ضاقت بي ضوضاء الحياة، وأجد بين صفحات الكتب فسحةً من السكينة لا تضاهيها فسحة أخرى.
نهضتُ متجهةً إلى مكتبتي المنزلية، أتخيّر كتابًا أستأنس به في سهرتي، وأمضي معه في رحلة من الفكر والتأمل، فإذا بصوت هاتفي يقطع سكون المكان، معلنًا وصول رسائل متتابعة لا تكاد تنقطع. تلاحقت التنبيهات على نحوٍ أثار في نفسي القلق، وبدأ الخيال ينسج احتمالاته المقلقة، حتى تسلّل إلى ذهني خاطرٌ مفزع: أترى مكروهًا قد أصاب والدي المريض؟ أيمكن أن تكون هذه الرسائل المتلاحقة محاولةً لإبلاغي بأمرٍ جللٍ لا يحتمل التأخير؟
في تلك اللحظة، تبدّد هدوء الليل، وحلّ القلق محل الطمأنينة. تركتُ مكتبتي على عجل، وهرعتُ نحو الهاتف، أحمله بيدٍ يثقلها الخوف، وأتردد في فتح الرسائل خشية أن تطالعني كلماتٌ لا أطيق سماعها أو أخبارٌ لا أقوى على احتمالها. ظللتُ لحظاتٍ أقاوم ترددي، بين رغبةٍ ملحّة في معرفة ما وراء تلك التنبيهات، وخوفٍ من أن يكون ما سأقرأه أسوأ مما يحتمله قلبي.
وأخيرًا، تشجعتُ وفتحتُ الرسائل، فإذا بعلامات الدهشة والاستغراب ترتسم على وجهي، بعد أن أطلقتُ تنهيدة ارتياحٍ عميقة، حمدًا لله على أن الأمر لم يكن كما تصوّرت. لم يكن ثمة خبرٌ مفجع، ولا طارئٌ يستدعي كل ذلك القلق؛ وإنما كانت الرسائل صادرةً عن رقمٍ غريب لا أعرف صاحبته، لامرأةٍ تستفسر عن بعض الأمور المتعلقة بالعمل، وقد اختارت أن تلاحقني بسيلٍ من الرسائل في ساعةٍ متأخرة من الليل، وكأن الإجابة أمرٌ لا يحتمل الانتظار، أو كأن وقتي ملكٌ متاحٌ لها متى شاءت أن تطلبه.
عندها، لم يكن استغرابي من مضمون الرسائل بقدر ما كان من الطريقة التي أُرسلت بها، ومن ذلك الإلحاح الذي افتقر إلى أبسط قواعد الذوق ومراعاة الآخرين. فقد وجدتُ نفسي أتساءل: كيف يستبيح بعض الناس أوقات غيرهم بهذه السهولة؟ وكيف يغيب عنهم أن للآخرين حياتهم الخاصة، وظروفهم التي لا يعلمون عنها شيئًا، وأوقاتًا ينبغي أن تظل مصونةً من كل اقتحامٍ غير مبرر؟
إن من أبجديات التعامل الراقي أن يدرك المرء أن التواصل مع الآخرين ليس حقًّا مطلقًا يتيح له الوصول إليهم في أي وقتٍ شاء، وإنما هو سلوك تحكمه ضوابط من الاحترام والتقدير، وتضبطه حدودٌ ينبغي ألا تُتجاوز. فكما أن للإنسان حقًّا في التواصل وطرح الأسئلة وطلب المعلومات، فإن للطرف الآخر حقًّا أصيلًا في الراحة، والانقطاع عن مشاغل الحياة، والاحتفاظ بمساحته الخاصة بعيدًا عن مطالب الآخرين وتوقعاتهم.
فما الذي يدفع شخصًا إلى مراسلة إنسانٍ لا يعرفه على نحوٍ كافٍ، في ساعةٍ متأخرة من الليل، من أجل الاستفسار عن أمرٍ متعلق بالعمل، لا يبدو أنه يقتضي تلك العجلة؟ أليس من أبسط مظاهر اللباقة أن يراعي المرء الوقت الذي يختاره للتواصل،
إن الليل ليس مجرد امتدادٍ زمني لنهار العمل، ولا ينبغي أن يُعامل الناس وكأنهم في حالة استعدادٍ دائم لتلبية الطلبات والإجابة عن الاستفسارات. فالليل، بالنسبة إلى كثيرين، مساحةٌ للراحة واستعادة التوازن، وللانفراد بالنفس أو قضاء الوقت مع الأسرة، وقد يكون المرء مريضًا، أو مرهقًا، أو غارقًا في نومٍ عميق، أو مثقلًا بظرفٍ خاص لا يسمح له بالتواصل. ومن ثمّ، فإن مراعاة التوقيت ليست ترفًا اجتماعيًّا، وانما هي صورة من صور احترام الإنسان وظروفه.
من أين جاء هذا الرقم؟ وكيف أصبح الوصول إلى خصوصية الآخرين أمرًا يُمارس بهذه البساطة، من دون استئذانٍ ؟ إن امتلاك رقم هاتف شخصٍ ما لا يعني امتلاك حقّ الوصول إليه في كل حين، كما أن معرفة وسيلة التواصل معه لا تمنح صاحبها سلطةً على وقته أو انتباهه.
فالأرقام الهاتفية ليست مفاتيح تُسلَّم معها أبواب الحياة الخاصة، ووسائل الاتصال لم تُنشأ كي تُلغى بها المسافات التي يحق للإنسان الاحتفاظ بها بينه وبين الآخرين. إنها أدوات للتواصل، نعم، لكنها لا تعفي مستخدمها من واجب الاستئذان، ولا تمنحه مبررًا لتجاوز الحدود التي تقتضيها طبيعة العلاقة ومقتضيات الموقف.
وليس المقصود بذلك أن يتحوّل التواصل بين الناس إلى حواجز جامدة أو علاقاتٍ يسودها التكلف، وإنما أن يُبنى على قدرٍ من التقدير يضمن لكل طرفٍ كرامته ومساحته. فثمة فرقٌ واضح بين أن تتواصل مع شخصٍ في إطارٍ مشروع ومناسب، وبين أن تقتحم وقته وهدوءه من غير أن تكترث بما قد يترتب على ذلك من إزعاجٍ أو قلق.
لم تكن الرسائل المتتابعة في ذاتها مصدر الاستغراب فحسب، وانما كان الإلحاح المصاحب لها هو ما منح الموقف طابعه المستفز. فكأن كثرة الرسائل قادرةٌ على فرض الاستجابة، وكأن تكرار الطلب يمنح صاحبه أولويةً لا يملكها، أو يُلزم الطرف الآخر بأن يترك ما بين يديه ويستجيب في الحال.
وهنا تكمن إحدى الإشكاليات التي يغفل عنها كثيرون: ليس كل ما نرغب في الحصول عليه ينبغي أن نحصل عليه فورًا، وليس كل سؤالٍ نطرحه يستوجب إجابةً عاجلة. فعدم الرد في اللحظة نفسها لا يعني التجاهل بالضرورة، كما أن الصمت المؤقت لا يُعدّ إساءةً أو تقصيرًا. قد يكون الطرف الآخر مشغولًا، أو غير مستعدٍ للحديث، أو ببساطةٍ لا يرغب في التواصل في ذلك الوقت، وله كامل الحق في ذلك.
وإذا تأملنا هذه التصرفات، وجدنا أنها لا تتعلق بآداب استخدام الهاتف وحدها، ولكنها تكشف عن مفهومٍ أعمق لدى بعض الناس؛ مفهومٍ يجعل رغباتهم واحتياجاتهم في مقدمة الأولويات، ويغفل عن حقيقة أن للآخرين حقوقًا لا تقل أهميةً عن حقوقهم. فكأن وقتهم وحده جديرٌ بالتقدير، وكأن انشغالاتهم تستحق الاستجابة العاجلة، بينما يُفترض بالآخرين أن يكونوا متاحين متى احتاجوا إليهم.
وهذا، في جوهره، ليس مجرد افتقارٍ إلى الإتيكيت، وانما قصورٌ في إدراك معنى الاحترام المتبادل.
فالإتيكيت الحقيقي ليس مجموعةً من المظاهر الشكلية، ولا عباراتٍ منمقة نستخدمها في المجالس والمناسبات، ولا ابتساماتٍ مهذبة نخفي وراءها سوء تقديرنا للآخرين. إنه وعيٌ راسخ بأن لكل إنسانٍ حدودًا ينبغي احترامها، ووقتًا ينبغي تقديره، وظروفًا لا يحق لنا افتراض معرفتنا بها
من المهم أيضًا ألا نخلط بين حسن النية وحسن التصرف؛ فقد لا يقصد الإنسان إزعاج غيره، وقد يظن أن كثرة الرسائل دليلٌ على الاهتمام أو الحرص على إنجاز العمل، غير أن النوايا الحسنة، مهما كانت صادقة، لا تُغني عن مراعاة الأثر الذي تتركه أفعالنا. فالرقي لا يُقاس بما نعتقده عن أنفسنا، وانما بما نظهره من وعيٍ في تعاملنا، وبمدى قدرتنا على احترام راحة الآخرين دون أن نُحمّلهم عبء تبريرها لنا.
وليس معنى ذلك أن كل رسالةٍ متأخرة تعدّ تجاوزًا، أو أن التواصل خارج أوقات العمل ممنوعٌ على الإطلاق؛ فثمة ظروفٌ استثنائية تستدعي السرعة، وأمورٌ طارئة لا تحتمل التأجيل. غير أن الاستثناء ينبغي أن يظل استثناءً، وألا يتحوّل إلى عادةٍ تُفرض على الآخرين دون اعتبارٍ لحاجتهم إلى الراحة. أما الأمور الروتينية والاستفسارات التي يمكن انتظارها، فمن حسن التقدير أن تُترك إلى وقتٍ مناسب، وأن تُرسل الرسائل بشأنها بوضوحٍ واختصار، مع منح الطرف الآخر المساحة الكافية للرد حين يتيسر له ذلك.
كما أن احترام الخصوصية لا يقتصر على توقيت الرسائل وعددها، ولكن يشمل أيضًا الطريقة التي نحصل بها على بيانات الآخرين، والجهة التي نستمد منها أرقامهم، والحدود التي ينبغي مراعاتها عند استخدام تلك البيانات. فليس كل ما يمكن الوصول إليه مباحًا بالضرورة، وليس كل ما نملكه من وسائل اتصال يمنحنا حق استخدامها دون تقديرٍ للسياق أو مراعاةٍ لخصوصية أصحابها.
قد تبدو الحادثة التي رويتها صغيرةً في ظاهرها، لا تتجاوز بضع رسائل على هاتفٍ محمول، لكنها في حقيقتها تفتح بابًا واسعًا للتأمل في ثقافة التعامل بين الناس، وفي مفهومنا للوقت والخصوصية والحدود الشخصية. فكم من تصرفٍ نراه عاديًّا لا يكلّفنا شيئًا، بينما يترك لدى غيرنا انزعاجًا أو قلقًا لا نعلم عنه شيئًا؟ وكم من مرةٍ نتصرف فيها بدافع الاستعجال، متناسين أن الطرف الآخر ليس امتدادًا لاحتياجاتنا، ولا موظفًا في خدمة رغباتنا، وانما إنسانٌ له عالمه الخاص الذي يستحق منا التقدير.
إن أرقى صور الذوق ليست أن تعرف كيف تتحدث فحسب، وانما أن تعرف متى تتحدث، ومتى تنتظر، ومتى تترك للآخرين حقهم في الصمت والراحة. وليست اللباقة أن تُحسن اختيار كلماتك وحدها، وانما أن تُحسن اختيار الوقت الذي تقولها فيه، وأن تدرك أن لكل علاقةٍ حدودًا، ولكل تواصلٍ سياقًا، ولكل إنسانٍ مساحةً لا ينبغي أن تُنتهك لمجرد أننا نملك وسيلةً للوصول إليه.
فالخصوصية ليست ترفًا، والوقت ليس مباحًا، والاحترام لا يحتاج إلى موعدٍ مسبق كي يكون واجبًا. إنه يبدأ من لحظة إدراكنا أن للآخرين حياةً لا تدور حولنا، وأن من حقهم أن يعيشوها بسلام.












