▪︎ مجلس نيوز
.
أسفرت اختبارات الحمض النووي هذا العام عن تحديد هوية رفات مفقودين في 3 حالات هي الأولى من نوعها في سوريا، بينها أسرة قُتلت في غارة جوية مشتبه بها على الرقة عام 2017، في خطوة تعد اختراقاً في ملف يضم ما بين 130 و300 ألف مفقود بالبلاد.
أسهمت اختبارات الحمض النووي في تحديد هوية رفات أشخاص مفقودين في ثلاث حالات على الأقل في سوريا خلال العام الجاري، في سابقة هي الأولى من نوعها في البلاد، وتُمثّل إنجازاً بارزاً في مسار الكشف عن مصير عشرات الآلاف من المفقودين جراء حرب أهلية دامت قرابة 14 عاماً.
وأنجزت الهيئة الوطنية للمفقودين حالتين من الثلاث، فيما جاءت الحالة الثالثة ثمرةً لجهود منظمات غير حكومية سورية ودولية استخدمت التحليل الجيني لتحديد هوية رفات أسرة لقيت حتفها في ما يُشتبه بأنه غارة جوية خلال معارك طرد تنظيم الدولة الإسلامية من مدينة الرقة عام 2017.
وتُقدّم هذه الحالات الثلاث، التي يُكشف عنها لأول مرة، مساراً محتملاً للحصول على إجابات لعائلات في جميع أنحاء سوريا، حيث لا يزال عشرات الآلاف في عداد المفقودين جراء عمليات قمع امتدت عقوداً في عهد عائلة الأسد، وحرب أهلية استمرت قرابة 14 عاماً.
وأدّت الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في أواخر عام 2024 إلى فتح أبواب مراكز الاحتجاز ومواقع الدفن التي ظلت طويلاً بعيدة عن المحققين المستقلين. غير أن جهود تحديد الهوية اصطدمت بعقبات عدة، أبرزها: تعذّر الوصول إلى المواقع إبان الحرب، والتحديات اللوجستية في جمع عينات الحمض النووي من العائلات، وشُح الخبرات والمعدات الجنائية.
بحث استمر قرابة عقد
تقع عائلة منار عليوي في صميم التحقيق الخاص بالرقة؛ إذ كانت منار وسبعة من أقاربها في أغسطس 2017 يحتمون من الغارات الجوية في الطابق الأول من مبنى بوسط المدينة، حين كانت قوات جوية بقيادة الولايات المتحدة تدعم قوة قتالية سورية بقيادة الأكراد في محاربة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية.
وأظهرت شهادة قُدِّمت للمركز السوري للعدالة والمساءلة أن عائلة منار المقيمة خارج الرقة فقدت الاتصال بها في ذلك الشهر. وكشفت صور الأقمار الصناعية أن المبنى الذي كانت تحتمي فيه تحوّل إلى ركام بين 19 و25 أغسطس 2017، إلا أن العائلة أمضت سنوات تتساءل: هل لقي أقاربها حتفهم هناك، أم فرّوا ولاقوا مصيرهم في مكان آخر؟
وفي عام 2024، اكتشفت منظمة لإزالة الألغام تعمل في الرقة رفاتاً متحللة داخل المبنى ذاته، انتشلها محققون سوريون من الطب الشرعي لاحقاً في العام نفسه. وساعدت أوراق هوية عُثر عليها في المبنى على تعقّب شقيقة منار، التي أكدت أن العائلة كانت مختبئة هناك. كما تطابقت الملابس المعثور عليها بجانب الرفات مع ما كان يرتديه أفراد العائلة في صورة التُقطت في أغسطس 2017 قدّمها أحد الأقارب.
وبعد جمع عينات جينية مرجعية من الأقارب وتحليل عينات الحمض النووي المختلفة، أكدت مؤسسة الأنثروبولوجيا الشرعية في غواتيمالا أن الرفات تعود إلى منار وزوجها وأطفالهما الخمسة، أصغرهم في الثالثة من عمره. وأُبلغ أفراد الأسرة الناجون بهذه النتيجة في سبتمبر 2026، في حين لا يزال مصير والد منار الذي كان موجوداً في المبنى مجهولاً.
ونفّذ أعمال تحديد الهوية كلٌّ من: المركز السوري للعدالة والمساءلة، وفريق شؤون المفقودين والطب الشرعي السوري وهو منظمة إنسانية مستقلة مقرها الرقة تحقق في مصير المختفين في الأراضي التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، ومؤسسة الأنثروبولوجيا الشرعية في غواتيمالا وهي منظمة غير ربحية تأسست للتحقيق في جرائم القتل غير المكتشفة إبان الصراع الداخلي في هذا البلد الأمريكي الوسطى.
وقال محمد العبد الله، مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، لوكالة رويترز: «النتيجة ترفع توقعات العائلات لأنها تُظهر ما هو ممكن فعلياً».
أما محمد حمادة، نجل منار والعضو الوحيد الباقي على قيد الحياة من أسرتها، فقد وجدت عمليات تحديد الهوية إجابات لأسئلة طالما أرّقته. وقال: «أصبح بإمكاننا الآن دفنهم وأن تكون قبورهم معروفة ونزورهم، وأن يرتاح العقل والتفكير قليلاً على الأقل. أمضينا نحو تسع سنوات نفكر فيهم.. هل خرجوا؟ هل ذهبوا إلى مدينة أخرى؟ هل وصلوا إلى مناطق النظام؟».
ويعيش حمادة في تركيا، وقال إنه دفع أموالاً لأشخاص للبحث عن معلومات تخص عائلته دون جدوى، حتى تواصل المركز السوري للعدالة والمساءلة مع أقاربه. ويأمل أن تُنجز اللجنة المنوط بها تنسيق تسليم الرفات مهمتها في أقرب وقت، ليتمكن من السفر إلى سوريا لاستلامها وإقامة جنازة وتسجيل الوفيات رسمياً.
المحققون يأملون في مزيد من التعاون
أشارت هيئة الأمم المتحدة المكلفة بتوضيح مصير المفقودين في سوريا ودعم أسرهم إلى تقديرات تتراوح بين 130 ألفاً و300 ألف مفقود في البلاد، وتشمل تحقيقاتها حالات الاختفاء في عهد الأسد، وتلك المتعلقة بتنظيم الدولة الإسلامية، وسائر الظروف التي اختفى فيها أقارب.
وأفادت الهيئة الوطنية للمفقودين بأنها جمعت نحو 96 ألف ملف من الوزارات السورية والمنظمات غير الحكومية، ونحو ألفي عينة من رفات بشرية انتُشلت من مواقع يُشتبه في أنها مقابر جماعية، فضلاً عن 29 عينة من الحمض النووي من أقارب في الحالات التي أشارت فيها الأدلة إلى احتمال وجود تطابق.
وأكدت الهيئة أنها «تمكنت من تحديد الهوية النهائية في حالتين من خلال مطابقة الحمض النووي، وبعد مراجعة استشارية للنتائج من خبراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وتم إبلاغ العائلتين بالنتائج».
وأوضحت الهيئة أنها تتلقى حالياً نحو 100 بلاغ جديد يومياً عن أشخاص مفقودين، في إطار «برنامج وطني أوسع لجمع العينات الوراثية من العائلات» أُطلق في 30 أغسطس.
وفي مجال البنية التحتية المخبرية، قالت الهيئة إنها «تعمل على إنشاء مختبر للحمض النووي بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من المتوقع دخوله حيز التشغيل في مايو 2027، إضافة إلى مختبر ثانٍ بالتعاون مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين وبدعم من الاتحاد الأوروبي».
وأضافت الهيئة في بيان مكتوب: «هذه خطوة مهمة، لكنها لا تزال بداية لمسار طويل بالنظر إلى حجم ملف المفقودين في سوريا وتعقيداته».
غير أن قاعدة البيانات الوطنية للمفقودين لم تُطلق بعد، وأبدى كثير من السوريين إحباطهم لعدم حصولهم على إجابات حتى الآن.
ويأمل العبد الله في أن تُثبت عمليات تحديد الهوية الأخيرة أن الشراكات بين المجتمع المدني السوري والخبراء الدوليين قادرة على تحقيق نتائج ملموسة، وأن تُشجّع الهيئة الوطنية للمفقودين على التعاون بشكل أوسع مع المجتمع المدني.














