▪︎ مجلس نيوز
.
المقال يناقش تراجع دور جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتحولهما إلى أطر شكلية عاجزة عن تحقيق التضامن والتكامل والدفاع المشترك، في ظل تصاعد السياسات القُطرية والتدخلات الخارجية وضعف الموقف التفاوضي العربي والخليجي. ويؤكد الكاتب أن تجاوز حالة “الفرقة والتفكك” يتطلب شجاعة سياسية…
شهد العالم العربي عبر العقود الماضية محاولات عديدة لتأسيس كيانات إقليمية تهدف إلى تحقيق التضامن ، والتكامل الاقتصادي ، والدفاع المشترك في وجه التحديات الجسام ، وكانت جامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية أبرز هذه المحاولات ، غير أن الواقع المعاصر يعكس صورة مغايرة تماماً لتلك الغايات النبيلة ، إذ باتت هذه المنظومات تعاني من هشاشة سياسية وانقسامات حادة ، جعلت المراقبين يطلقون عليها ساخرين مسميات تعكس حالتها الراهنة “جامعة الفرقة العربية” و”مجلس التفكك الخليجي” .
ولم يعد خافياً على أحد أن التضامن العربي والخليجي قد تراجع لصالح السياسات القُطرية والمصالح الضيقة ، وتتجلى هذه الأزمة في غياب الموقف الموحد حيث أصبحت الأزمات الإقليمية الكبرى تُدار بمنظور فردي لكل دولة ، مما أتاح للقوى الخارجية التدخل وتوجيه دفة الأمور وفقاً لمصالحها الاستراتيجية ، وحل التنافس الاقتصادي والسياسي بدلاً من التكامل ، وتحولت العلاقات البينية أحياناً إلى ساحات تنافس سلبي ، حيث تسعى كل دولة لتعزيز مكاسبها الاقتصادية بمعزل عن محيطها العربي أو الخليجي مما شكل ازدواجية المعايير في الأزمات وأدى ذلك الى عجز الكيانات الرسمية عن اتخاذ قرارات حاسمة أو رادعة حيال القضايا المصيرية ، مما يُظهر المؤسسات العربية والخليجية كأطر شكلية فارغة من مضمونها الفعلي ، وأدى هذا التشرذم إلى إضعاف القدرة التفاوضية للدول العربية والخليجية في المحافل الدولية ، وباتت عاجزة عن حماية أمنها القومي المشترك .
إن تخلّي الدول عن التزامها التاريخي بتوحيد الصفوف لم يقتصر ضرره على إضعاف المنظومات السياسية فحسب ، بل امتد ليلقي بظلاله الثقيلة على شعوب المنطقة ، مما أدى الى غياب العمل الجماعي الحقيقي وجعل الدول المنفردة لقمة سائغةللتحديات الاقتصادية العابرة للحدود ، والأزمات الأمنية المتلاحقة ، والتدخلاتالخارجية التي لا تخدم سوى أجندات صانعيها ، فحين تغيب الرؤية الاستراتيجية المشتركة ، تصبح التنمية المستدامة عرضة للهزات ، وتفقد الأجيال القادمة حلم الكتلة الاقتصادية والسياسية القادرة على المنافسة عالمياً .
إن تشخيص هذا الواقع المؤلم تحت عنوان “الفرقة والتفكك” لا ينبغي أن يقود إلى اليأس ، بل يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي ، فالتحديات الكبرى التي تواجه المنطقة – سواء كانت اقتصادية، أو أمنية، أو مناخية – لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها مهما بلغت إمكانياتها ، فاستعادة الروح الحقيقية للعمل العربي والخليجي المشترك تتطلب شجاعة سياسية حقيقية ، وإرادة حقيقية تضع مصلحة الشعوب واستقرار المنطقة فوق أي اعتبارات ضيقة .
إن إعادة إحياء روح التضامن والعمل المشترك في ظل هذا الواقع المعقد تتطلب مقاربة واقعية وعملية ، بعيداً عن الشعارات الرنانة التي فقدت بريقها ، ويمكن تلخيص السبل الممكنة في النقاط التالية :
1- التركيز على المصالح الاقتصادية المشتركة (البراغماتية الاقتصادية) فحين تصبح المصالح الاقتصادية متبادلة ومتشابكة في سلاسل الإمداد ، والتجارة البينية، والأمن الغذائي والمائي، ومشاريع الطاقة والبنية التحتية المتكاملة ، تصبح الخلافات السياسية أثقل تكلفة ، مما يجبر الدول على التعاون بغض النظر عن تبايناتها السياسية المؤقتة .
2- إصلاح الهياكل والمؤسسات القائمة بتحويل “جامعة الدول العربية” و”مجلس التعاون الخليجي” من منصات بروتوكولية لإلقاء الخطب إلى مؤسسات فاعلة ذات آليات تنفيذية وإلزامية واضحة ، مع اعتماد آلية اتخاذ القرار بالأغلبية أو بالتوافق المرن لمنع تعطيل العمل المشترك بسبب تحفظ دولة واحدة .
3- إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية الذاتية بالاتفاق على إطار عربي وخليجي لإدارة النزاعات البينية بالحوار الهادئ والوساطة الداخلية ، لقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية التي تستغل الانقسامات لتأجيج الأزمات .
4- الاستثمار في الشعوب والتقارب المجتمعي بتعزيز التبادل الثقافي والتعليمي والشبابي والرياضي ، وتسهيل حركة تنقل المواطنين ، فهذا يخلق رأياً عاماً عابراً للحدود يؤمن بأن مصير المنطقة واحد ، ويشكل ضغطاً شعبياً إيجابياً على صناع القرار .
وفي اعتقادي أن الدفع نحو التكامل الاقتصادي والمشاريع المشتركة هو المدخل الأسهل والأكثر نجاعة حالياً لإعادة ترميم هذا التضامن ثم يأتي الإصلاح السياسي المؤسسي ، وبالنظر إلى واقعنا العربي والخليجي المعاصر ، يبدو واضحاً أن التكامل الاقتصادي هو المدخل الأسهل والأكثر نجاعة حالياً لإعادة ترميم التضامن ، فالخلافات السياسية غالباً ما تكون شديدة الحساسية وتتعلق بالسيادة والشرعية والنفوذ ، مما يجعل التوافق حولها متعثراً ، وفي المقابل فإن لغة الأرباح وسلاسل الإمداد والتجارة البينية ومشاريع الأمن الغذائي والمائي والطاقة هي لغة براغماتية بحتة تفرض نفسها وتتجاوز الشوائب السياسية ،
وعند خلق مصالح متشابكة نكون قد اعددنا أطواق نجاة متبادلة لتصبح اقتصاديات الدول مترابطة عبر خطوط طاقة مشتركة ، أو أسواق تجارية تكاملية ، أو استثمار عابر للحدود ، فتصبح كلفة الخلاف السياسي باهظة ومدمرة للاقتصاد الوطني لكل دولة على حدة ، هذا الترابط يفرض واقعاً يميل بطبيعته نحو التهدئة والتعاون الإجباري .
إن بناء الثقة التراكمية في التكامل الاقتصادي لا يحدث دفعة واحدة ، بل يبدأ بمشاريع قطاعية صغيرة وناجحة مثل الربط الكهربائي ، أو تسهيل حركة السلع ، مما يخلق حالة من الثقة المتبادلة والمنافع المحسوسة التي تمهد الطريق تدريجياً لتقارب سياسي أعمق .
ورغم أهمية الإصلاح السياسي المؤسسي البالغة لضمان ديمومة أي تحالف ، إلا أن محاولة جعله شرطاً مسبقاً تشبه محاولة بناء السقف قبل وضع الأساس ، فالمنظومات السياسية القائمة لن تقبل بالتنازل عن صلاحياتها أو تعديل هياكلها إلا إذا شعرت بـحاجة اقتصادية ملحة وبضغط المصالح المشتركة التي تجعل التنازل أهون شراً من التشرذم .
وأخيراً :
فإن الاقتصاد يفتح الأبواب المغلقة ، والمصالح المشتركة تمهد الطريق ، وحين تتقاطع لغة الأرقام والمكاسب ، سيضطر الساسة عاجلاً أم آجلاً إلى اللحاق بركب الشعوب والمصالح .













