▪︎ مجلس نيوز
.
أطلق الإعلامي السعودي الأصم عبدالله المحمدي بودكاست «إشار» بلغة الإشارة السعودية، مستهدفًا مجتمع الصم والجمهور العام عبر ترجمة صوتية متزامنة، في تجربة إعلامية تُبرز لغة الإشارة بوصفها أداة للتقديم والحوار وصناعة المحتوى، وتمنح الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية دورًا قياديًا في المشهد الإعلامي.
أطلق الإعلامي السعودي الأصم عبدالله المحمدي بودكاست «إشار»، في تجربة إعلامية يقدّم من خلالها الحوارات بلغة الإشارة السعودية، مستهدفًا جمهور الصم والسامعين معًا، ومقدّمًا نموذجًا لصناعة محتوى إعلامي ينطلق من الهوية واللغة، ويؤكد أن اختلاف طرق التواصل لا يحدّ من فرص المشاركة والإبداع.
وتقوم فكرة البودكاست على تولّي المحمدي تقديم الحلقات وإدارة الحوارات وطرح الأسئلة ومناقشة الضيوف، مع الاستعانة بالترجمة الصوتية لنقل حديثه إلى الضيوف السامعين، وترجمة إجاباتهم إلى لغة الإشارة السعودية، بما يتيح للجمهور متابعة محتوى واحد بوسائل تواصل مختلفة.
وقال المحمدي لـ«سبق» إن فكرة «إشار» انطلقت من رغبته في تقديم بودكاست بطريقته وهويته، وأن يكون مقدّم الحوار الذي يطرح الأسئلة ويناقش الضيوف ويصنع المحتوى بلغته، مؤكدًا أن الصمم لم يكن سببًا يمنعه من ممارسة العمل الإعلامي.
وأضاف: «أردت أن أقدّم تجربة تقول بوضوح: لا يوجد مستحيل لمجرد أنني أصم؛ أستطيع أن أحاور وأسأل وأناقش وأصنع تأثيرًا، وأصل إلى الجمهور بلغتي وهويتي».
وأوضح أن الرسالة الأهم التي يسعى إلى إيصالها تتمثل في أن مجتمع الصم لا ينبغي أن يقتصر حضوره الإعلامي على متابعة الآخرين أو الظهور ضيوفًا للحديث عن تجاربهم، بل يمكن لأفراده أن يقودوا الحوار ويقدّموا البرامج ويُعدّوا المحتوى ويشاركوا في مختلف مراحل الإنتاج الإعلامي.
«إشار».. من استضافة الأصم إلى قيادة الحوار
وبيّن المحمدي أن ما يميّز «إشار» أنه لا يقتصر على استضافة الأشخاص الصم للحديث عن تجاربهم، بل يقدّم تجربة يكون فيها الإعلامي الأصم مقدّمًا ومحاورًا وصانع محتوى، يشارك في إعداد الحلقات والتواصل مع الضيوف ومتابعة تفاصيل الإنتاج والمونتاج.
وقال: «أنا لا أرى أن لغة الإشارة السعودية عائق أمام الإعلام؛ هي لغتي التي أتواصل وأعبّر وأعمل من خلالها»، مشيرًا إلى أنه يسعى إلى تقديم عمل إعلامي متكامل يعتزّ به بوصفه مواطنًا سعوديًا، ويُضيف إلى المشهد الإعلامي.
وأضاف أن الإعلام يستطيع الانتقال من الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة إلى منحهم فرصًا فعلية لصناعة المحتوى وتقديمه، من خلال إتاحة المجال لهم ليكونوا مقدّمين ومحاورين ومُعدّين ومصمّمين وصنّاع محتوى في مختلف المجالات، وليس في الموضوعات المتعلقة بالإعاقة وحدها.
وأكد أن طموحه أن يُعرف «إشار» بما يقدّمه من محتوى وانتشار وتأثير، لا بمجرد كونه بودكاست يقدّمه إعلامي أصم، قائلًا: «لا أريد أن يكون كوني أصم هو سبب مشاهدة إشار؛ أريد أن يكون سبب المشاهدة هو إشار نفسه».
لغة الإشارة السعودية.. هوية إعلامية
وعن اختيار لغة الإشارة السعودية لغةً أساسية للحوار، أوضح المحمدي أن ذلك يأتي انطلاقًا من هويته الشخصية والوطنية، باعتبارها لغته الطبيعية في التواصل والتعبير، مؤكدًا أن لغات الإشارة تتعدد وتختلف باختلاف المجتمعات، وليست لغة واحدة موحّدة لجميع مجتمعات الصم حول العالم.
وقال إن تقديم «إشار» بلغة الإشارة السعودية يهدف إلى إظهارها في محتوى إعلامي احترافي بوصفها لغة للتقديم والحوار وصناعة المحتوى، وليس استخدامها محصورًا في نقل الكلام المنطوق أو ترجمته.
وأضاف أن البودكاست يستهدف مجتمع الصم والجمهور العام معًا؛ إذ يتابع المشاهد الأصم الحوار بلغة الإشارة السعودية، فيما تساعد الترجمة الصوتية المشاهد السامع الذي لا يعرف لغة الإشارة على فهم المحتوى، ليجتمع الجمهوران حول الموضوع والضيف أنفسهما.
وشدّد على أن الهدف ليس إنتاج محتوى منفصل للصم وآخر للسامعين، بل صناعة محتوى إعلامي واحد يصل إلى الجميع، مؤكدًا أن اختلاف وسيلة التواصل لا يغيّر طبيعة الحوار متى توافرت آليات الترجمة التي تضمن التفاهم بين المقدّم والضيف.
عبدالله المحمدي.. تجربة إعلامية تتجدد
واستعاد المحمدي جانبًا من تجربته الإعلامية، مشيرًا إلى أنه سبق أن قدّم برنامج «أبلغ من الكلام» على قناة السعودية الإخبارية عام 2023، ويواصل اليوم تجربته من خلال «إشار»، الذي يتيح له إدارة الحوارات واستضافة شخصيات من مجالات متعددة.
وأوضح أن اختياره للضيوف والموضوعات يقوم على البحث عن التجارب والأفكار والقضايا التي تستحق الوصول إلى الجمهور، مع الحرص على تنوع الحلقات وتقديم حوارات تتجاوز الأسئلة التقليدية.
وقال إن الحلقة الناجحة، من وجهة نظره، ليست تلك التي تُقاس بعدد الأسئلة، بل التي تجمع بين المتعة والفائدة، وتدفع المشاهد إلى التفكير، وتترك لديه معرفة أو أثرًا يستمر بعد انتهاء المشاهدة.
وأضاف أن رسالته تتمثل في إظهار لغة الإشارة السعودية في الإعلام بصورة طبيعية واحترافية، وتأكيد أن اختلاف طريقة التواصل لا يمنع الإنسان من أن يكون مقدّمًا ومحاورًا وصانع محتوى وصاحب رسالة.
إبراز المواهب وتغيير الصورة النمطية
وأشار المحمدي إلى أن «إشار» يسعى إلى تقديم نماذج متنوعة من أبناء المملكة من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية، وإبراز قدراتهم وتجاربهم في مجالات الإعلام والتعليم والتقنية والتصميم والرياضة والثقافة وريادة الأعمال وغيرها.
وقال إن تغيير الصورة النمطية يبدأ عندما يظهر الأشخاص ذوو الإعاقة السمعية أمام الجمهور وهم يمارسون تخصصاتهم ويعرضون خبراتهم وإنجازاتهم، بدلًا من حصر حضورهم في قصص التحدي أو استدرار التعاطف.
وأضاف: «عندما يرى الجمهور هذه النماذج وهي تتحدث عن تخصصاتها وتجاربها وإنجازاتها، تتغير النظرة من: ماذا يستطيع أن يفعل رغم إعاقته؟ إلى: ماذا يستطيع أن يقدّم؟ وهذا بالنسبة لي هو التغيير الحقيقي».
وأكد أن المشروع يمثّل بالنسبة إليه مشاركة عملية في توسيع فرص الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية في صناعة الإعلام، معربًا عن أمله في أن تُتاح لهم فرص أكبر للعمل مقدّمين ومُعدّين ومخرجين ومصمّمين ومنتجين وقادة لمشروعات إعلامية.
تجربة سعودية بطموح عالمي
ووصف المحمدي «إشار» بأنه رسالة وطنية وتجربة سعودية يعتزّ بتقديمها، مشيرًا إلى أن المشروع ينطلق من المملكة بهوية سعودية، ويستخدم لغة الإشارة السعودية في تقديم محتوى يستهدف الوصول إلى الجمهور محليًا وعربيًا وعالميًا.
وقال إنه يطمح إلى أن يعكس البودكاست ما يمتلكه أبناء المملكة من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية من قدرات ومواهب، وأن يفتح المجال أمام اكتشاف أسماء وتجارب جديدة في تخصصات مختلفة.
وأضاف أن فخره بالمشروع يرتبط بكونه تجربة إعلامية يقدّمها إعلامي سعودي أصم بلغته وهويته، ويستضيف من خلالها شخصيات متنوعة، بعيدًا عن حصر المحتوى في موضوع الإعاقة.
وفي حديثه عن التحديات، أوضح المحمدي أن لغة الإشارة السعودية ليست تحديًا بالنسبة إليه، لأنها لغته الطبيعية، وأن التواصل مع الضيوف السامعين يتم من خلال مترجم ينقل كلامه صوتيًا إليهم، وينقل إجاباتهم إليه بلغة الإشارة السعودية.
وأكد أن اختلاف وسيلة التواصل لا يجعل الحوار مستحيلًا أو غير طبيعي، موضحًا أن ما يهمّه هو وضوح الحوار وجودته وقدرته على الوصول إلى الجمهور.
«إشار».. طموح لمشروع إعلامي أكبر
وعن مستقبل «إشار»، قال المحمدي إن تركيزه في المرحلة الحالية ينصبّ على تقديم حلقات قوية، واستضافة شخصيات متنوعة، وبناء البودكاست خطوة بخطوة، معربًا عن طموحه في تحويله مستقبلًا إلى مشروع إعلامي أوسع.
وأضاف أنه يتطلع إلى استضافة مزيد من الشخصيات والتجارب من مجتمع الصم، واكتشاف قصص وأسماء جديدة تستحق الوصول إلى الجمهور، بعيدًا عن تكرار التجارب ذاتها.
ووجّه رسالة إلى الشباب والشابات من الصم الذين يمتلكون مواهب، دعاهم فيها إلى التعلم وتطوير قدراتهم والتجربة والاستعداد للمستقبل، مؤكدًا أن اختلافهم في طريقة التواصل ينبغي ألا يكون سببًا للتوقف، بل دافعًا لصناعة طريقهم وتحقيق طموحاتهم.
كما دعا المؤسسات الإعلامية والمجتمع إلى النظر أولًا إلى الموهبة والقدرات، ومنح الأشخاص ذوي الإعاقة فرصًا حقيقية للمشاركة في صناعة المحتوى، مؤكدًا أن حضورهم لا ينبغي أن يقتصر على كونهم موضوعًا للبرامج، بل يمتد إلى المشاركة في إنتاجها وقيادتها.
فريق العمل والداعمون
وخصّ المحمدي بالشكر الأستاذ صلاح الغيدان، الرئيس التنفيذي لشركة تأثير للإنتاج الإعلامي، لدعمه المشروع من خلال توفير مقر الاستوديو والكاميرات والمعدات وأدوات التصوير والإنتاج، بما أسهم في انطلاق البودكاست وتنفيذ حلقاته.
وأعرب عن تقديره لفريق التصوير والإنتاج، كما وجّه شكره إلى المترجمين سطام الفهيد وأمجد الفيفي وسعود العصيمي وأحمد الفهيد، مثمّنًا جهودهم في ترجمة حلقات «إشار» وتسهيل التواصل بينه وبين الضيوف، ومؤكدًا أهمية حفظ حقوقهم وتقدير إسهاماتهم بوصفهم جزءًا أساسيًا من تجربة البودكاست.
واختتم المحمدي بقوله: «إشار لم يصنعه شخص واحد؛ صنعته أيادٍ آمنت بالفكرة، ووقفت معها حتى أصبحت واقعًا».













