▪︎ مجلس نيوز
.
شهدت فرنسا أعنف احتجاجات طلابية منذ عقود، مع نزول تلاميذ ومعلمين وأولياء أمور إلى الشوارع واعتصامات أمام المدارس الثانوية، ما أدى إلى اشتباكات واسعة مع الشرطة وإصابة مئات القُصَّر وموظفي التعليم ورجال الأمن، وسط غضب من تدهور أوضاع المدارس واتهامات باستخدام القوة المفرطة.
أطلقت الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع على المحتجين أمام المدارس الثانوية، الثلاثاء، إذ نزل تلاميذ ومعلمون وأولياء أمور إلى الشوارع في أكبر يوم احتجاجي، وصفه رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بأنه جزء من «أعنف احتجاجات طلابية منذ عقود».
وجاءت هذه الاحتجاجات في اليوم التالي لحادثة مروّعة، فقد خلالها فتى في سن المراهقة إحدى يديه خلال اشتباكات في شمال فرنسا، لتكون أحدث مظهر من مظاهر الغضب الشعبي في بلد يشهد صعوداً قوياً لتياري اليمين واليسار المتطرفين، قُبيل انتخابات رئاسية مرتقبة في الربيع.
أرقام صادمة وإصابات واسعة
أبلغ لوكورنو النواب بأن ما لا يقل عن 215 مراهقاً و85 من موظفي المدارس أصيبوا حتى الآن في الاشتباكات، واصفاً ذلك بأنها «أكبر خسائر يتكبدها النظام التعليمي منذ عقود». وأفاد مكتبه بأن أكثر من 700 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.
وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية اعتقال 6100 شخص منذ اندلاع الاحتجاجات، والغالبية العظمى منهم من القصر. وقالت وزارة العدل إن أكثر من 1800 يخضعون للملاحقة القضائية بتهم غير محددة، من بينهم 1483 قاصراً.

مراهق يفقد يده بقنبلة شرطية
بُترت يد مراهق خلال اشتباكات بين طلاب محتجين وشرطة مكافحة الشغب في شمال فرنسا، الاثنين. وذكرت صحيفة «لا فوا دو نور» الإقليمية أن الفتى، البالغ من العمر 15 عاماً، فقد يده وجزءاً من ساعده بعد أن التقط قنبلة مخصصة للاستخدام غير المميت كانت قد ألقتها الشرطة.
احتجاجات في مدن عدة
في مرسيليا ونانت، رفع المحتجون لافتات كُتب عليها «الدولة قتلت التعليم الوطني». وفي تولوز، شبّك أولياء أمور أذرعهم في طليعة مسيرة جابت شوارع المدينة. وفي ستراسبورج وليون ورين وباريس، اتخذت الاحتجاجات منحىً عنيفاً في بعض الأحيان، إذ أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، في حين أضرم المحتجون النيران في الشوارع وألقوا مقذوفات.
وقالت شرطة باريس إن الاشتباكات اندلعت عندما حاول نحو 300 شخص مواجهة قوات الأمن، مضيفةً أن الاحتجاج كان يسير بشكل سلمي في أماكن أخرى. وتعرضت واجهات ثلاثة متاجر لأضرار.
وأفادت قناة «بي.إف.إم» التلفزيونية بأن الرئيس إيمانويل ماكرون دعا لوكورنو ووزراء كباراً آخرين إلى اجتماع طارئ.

جذور الأزمة ومطالب الطلاب
اندلعت الاحتجاجات في سبتمبر في الضواحي الفقيرة في باريس قبل أن تمتد إلى أنحاء البلاد. ويشكو الطلاب من أن المدارس تواجه مشكلات صيانة أساسية، تتراوح بين تسرب المياه وانتشار الفئران.
وقال اتحاد طلاب المدارس الثانوية إن أكثر من نصف المدارس الثانوية في فرنسا أُغلقت أو ستغلق أبوابها. وحاولت بعض السلطات التعليمية المحلية نقل الدروس إلى الإنترنت.
وقال هوجو فيتزل، الذي أنهى الدراسة الثانوية مؤخراً في مدرسة بستراسبورج: «هناك فجوة كبيرة بين النخبة وبيننا».
واتهمت جماعات حقوقية وطلاب ومجموعات من أولياء الأمور السلطاتِ باستخدام القوة المفرطة ضد القصر. في المقابل، تقول الحكومة إن حركة الاحتجاج سيطرت عليها جهات خارجية، وشابتها في بعض الأماكن أعمال عنف.
وقال عمر سلاوتي، معلم مدرسة ثانوية في أرجنتوي إحدى ضواحي شمال غربي باريس: «إنهم يريدون تصنيف الشباب إلى محتجين جيدين وآخرين سيئين». وأضاف: «لولا إشعال النيران في حاويات القمامة، لما تراجعت الحكومة ولما أدركت حجم القضايا المطروحة».
استجابة الحكومة
أمر لوكورنو وزراءه بتلبية المطالب الرئيسية للطلاب، وتشمل: ضمان توفير بدلاء للمعلمين الغائبين، ومراجعة مدة اليوم الدراسي الممتد من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً، وإطالة فترات استراحة الغداء. كما أعلن أن الحكومة ستنظر في الإصلاحات اللازمة للمباني المدرسية القديمة، وطالب الوزراء بتقديم مقترحاتهم الأولية بحلول نهاية أكتوبر.
أزمة اقتصادية تُعقّد الحلول
يُرجَّح أن يكون توفير الأموال اللازمة لتنفيذ الإصلاحات التعليمية أمراً عسيراً، إذ تتعرض الحكومة لضغوط من أجل تقليص العجز المتضخم في الميزانية. وتتشابك عوامل عدة تدفع تكلفة الاقتراض إلى الارتفاع، من بينها مخاوف المستثمرين بشأن تزايد ديون فرنسا، وضعف النمو، وتردد الحكومة في كبح الإنفاق.
وكان العائد على السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات قد وصل لفترة وجيزة إلى أعلى مستوياته منذ 24 عاماً عند أكثر من 5% الأسبوع الماضي. وبدأ الارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض الفرنسية في الامتداد إلى منطقة اليورو الأوسع، إذ يمثل انخفاض قيمة اليورو أحدث جرس إنذار لصانعي السياسات. ونفى وزير المالية رولان ليسكور الحاجة إلى تدخل البنك المركزي الأوروبي.
وتواجه الحكومة صعوبات في إنجاز مهام أساسية كإقرار الموازنة، منذ أن فقد حلفاء الرئيس ماكرون أغلبيتهم في الانتخابات البرلمانية لعام 2024.











