▪︎ مجلس نيوز
.
يشدّد المقال على أن الحالة النفسية للأم أثناء الحمل ترتبط بصحتها وصحة جنينها، وأن الخلافات الزوجية الحادة والتوتر المستمر قد يفاقمان الضغط عليها في مرحلة مليئة أصلًا بالتغيرات الجسدية والنفسية، مع التأكيد على أن التجارب الشخصية لا تكفي لإثبات علاقة طبية مباشرة دون رأي المختصين. ويدعو الكاتب إلى إدار…
قد يظن بعض الأزواج أن الخلاف الذي يحدث بينهما أثناء الحمل ينتهي بمجرد انتهاء النقاش أو إغلاق باب الغرفة، وأن الجنين بعيد عن كل ما يجري خارج رحم أمه، لكن الحقيقة التي تستحق الانتباه أن الحالة النفسية للأم أثناء الحمل ليست أمرًا منفصلًا تمامًا عن صحتها وصحة جنينها.
وقد سبق أن كتبت في أغسطس 2024م تغريدة، ونشرتها عبر منصة تيك توك، تناولت فيها فكرة تأثر الجنين بما تتعرض له الأم من ضغوط نفسية ومشكلات أسرية، وأشرت حينها إلى حديث للدكتور مصطفى محمود -رحمه الله- حول تأثر الجنين بما يحيط بالأم من توتر وانفعالات.
وبعد نشر المقطع فوجئت بعدد من التعليقات من أمهات تحدثن عن تجاربهن الشخصية أثناء الحمل. إحداهن قالت إنها عندما كانت تغضب وتبكي كانت تشعر بحركة شديدة من جنينها، وأخرى تحدثت عن شعورها بتحجر البطن أثناء مشكلة زوجية، وثالثة ربطت بين فترة صعبة عاشتها أثناء الحمل وكثرة بكاء طفلها بعد الولادة، بينما ذكرت أخريات تجارب أكثر قسوة كالإجهاض أو فقدان الحمل.
وهنا يجب التفريق بين التجربة الشخصية والدليل العلمي؛ فهذه الشهادات تستحق الاستماع إليها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الغضب أو الشجار كان السبب المباشر لما حدث للجنين. فالإجهاض ومضاعفات الحمل والتفاف الحبل السري وغيرها لها أسباب وعوامل طبية متعددة، ولا ينبغي تحميل الأم أو الأب مسؤولية طبية عن نتيجة معينة دون تشخيص من المختصين.
لكن الرسالة الأهم تبقى واضحة: الحمل مرحلة تحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء والدعم والأمان داخل الأسرة.
فالمرأة الحامل لا تحتاج فقط إلى الغذاء والمتابعة الطبية، وإنما تحتاج كذلك إلى بيئة أسرية مطمئنة، وإلى زوج يدرك أن الكلمة القاسية والصراخ والتهديد والعنف والخصومات المستمرة قد تزيد من توترها في مرحلة هي أصلًا مليئة بالتغيرات الجسدية والنفسية.
وقد لفتت انتباهي أيضًا بعض الحلول البسيطة التي طرحتها نساء في التعليقات لتجنب تصاعد الخلاف، مثل الانسحاب المؤقت من النقاش عند اشتداد الغضب، وتأجيل الحديث إلى وقت أكثر هدوءًا، ومحاولة تغيير أجواء الموقف قبل أن يتحول الحوار إلى صراع.
لكنني لا أرى أن الحل الدائم هو أن تسكت الزوجة عن حقها، أو أن يكبت أحد الزوجين مشاعره خوفًا من المشكلة؛ لأن السكوت قد يؤجل الخلاف ولا يحله. الأفضل أن نتعلم متى نتوقف عن النقاش، ومتى نعود إليه، وكيف نختلف دون أن نؤذي بعضنا.
ومن الطرق التي أراها مفيدة للزوجين ألا يكتفيا بمناقشة المشكلة الظاهرة، بل يسألان نفسيهما: ما السبب الجذري لهذا الخلاف؟
فقد يكون الخلاف الظاهر على المال، بينما المشكلة الحقيقية ضعف الاتفاق على الأولويات، وقد يكون على زيارة أو اتصال، بينما جذره الغيرة أو ضعف الثقة، وقد يكون على أمر منزلي بسيط، بينما تراكمات سابقة هي التي جعلته ينفجر.
عندما نصل إلى الجذر يصبح الحل أكثر وضوحًا.
كما يمكن تقسيم المشكلة إلى أسباب رئيسية وأسباب فرعية، ثم معالجة الأسباب الفرعية واحدة بعد الأخرى، بدل الدخول في دائرة متكررة من الغضب واللوم والصراخ ثم الصلح المؤقت، وبعد أيام تعود المشكلة نفسها من جديد.
وهنا أقول للزوج خصوصًا: زوجتك أثناء الحمل ليست وحدها في هذه المرحلة؛ هناك جنين ينمو معها، فاجعل البيت أكثر هدوءًا وأمانًا، ولا تجعل أشهر الحمل ساحة لتصفية الخلافات.
وأقول للزوجين معًا: إذا أصبح الخلاف شديدًا أو متكررًا أو وصل إلى العنف، فلا يكفي الصمت أو الانسحاب المؤقت، وإنما ينبغي طلب المساعدة من المختصين والجهات المعنية، خصوصًا عندما تصبح سلامة أحد أفراد الأسرة مهددة.
ويبقى الجانب الإيماني حاضرًا في حياة المسلم، فمراجعة النفس والتوبة والاستغفار واللجوء إلى الله من أعظم ما يعين الإنسان في حياته، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾.
وجاء في المأثور عن الفضيل بن عياض -رحمه الله- أنه قال: «إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خُلُق دابتي وامرأتي». وهي كلمة تدعو الإنسان إلى أن يبدأ بمراجعة نفسه وأعماله، وأن يبادر إلى التوبة والاستغفار وإصلاح ما بينه وبين الله وما بينه وبين الناس.
لكن ينبغي كذلك ألا نستخدم هذا المعنى للحكم على كل مريض أو امرأة أجهضت أو أسرة ابتليت بمصيبة بأن ما حدث لها عقوبة بسبب ذنب معين؛ فهذا أمر لا نملكه ولا نستطيع الجزم به. فالابتلاء قد يقع للصالح وغيره، وأسبابه وحِكمه عند الله، والمؤمن يجمع بين التوبة والدعاء وبين الأخذ بالأسباب الطبية والنفسية والاجتماعية.
الجنين لا يستطيع أن يقول لأبيه وأمه: كفى خلافًا.
ولذلك فإن من أجمل الهدايا التي يمكن أن يقدمها الأب والأم لطفلهما قبل أن يرى الحياة، بيتًا يسوده الهدوء والرحمة، وخلافًا يعرفان كيف يديرانه دون صراخ أو إهانة أو عنف.
فالعناية بالطفل لا تبدأ يوم ولادته..
بل تبدأ وهو ما يزال في رحم أمه.













