▪︎ مجلس نيوز
.
يدعو المقال إلى التعامل المتوازن مع صافرات الإنذار والتنبيهات الرسمية في المملكة؛ بأخذها على محمل الجد والالتزام بتعليمات الجهات المختصة دون الانجراف إلى الهلع أو تضخيم الخوف عبر الشائعات والمقاطع المتداولة. ويشدّد على دور الأسرة في طمأنة الأطفال وكبار السن، وتقليل تعريضهم للمشاهد المقلقة، مع استحضا…
في الأيام التي يسمع فيها الإنسان صافرات الإنذار أو تصل إلى هاتفه رسالة تحذيرية، من الطبيعي أن يشعر بشيء من القلق، وأن يتجه تفكيره مباشرة إلى أسرته وأبنائه ومن يحب. فالخوف عند الإحساس بالخطر استجابة إنسانية طبيعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف الطبيعي إلى هلع، وتبدأ الشائعات والتوقعات والمقاطع المتداولة في تضخيم القلق أكثر من الحدث نفسه.
ومع ما شهدته بعض مناطق المملكة من حوادث مرتبطة بمقذوفات أو تهديدات جوية، فإن الرسالة التي نحتاج إليها ليست رسالة تهوين من الخطر، ولا تضخيم له، وإنما رسالة طمأنينة ووعي: خذ التحذير بجدية، واتبع التعليمات الرسمية، ولكن لا تسلّم نفسك للخوف.
وقد أنعم الله على بلادنا بمنظومة أمنية ودفاعية وجهات مختصة تعمل على حماية الوطن وسكانه، كما أن صافرات الإنذار والتنبيهات التي تصل إلى الهواتف ليست سببًا للخوف، بل وسيلة من وسائل الحماية والوقاية؛ فهي تنبّه الإنسان ليعرف أن هناك أمرًا يستدعي الانتباه واتباع التعليمات، وعندما تصل بعد ذلك رسالة بانتهاء الحالة أو زوال الخطر فإنها تعيد الطمأنينة وتغلق مساحة كبيرة قد تستغلها الشائعات والتكهنات.
ومن الناحية النفسية، من المهم أن ندرك أن صوت الإنذار قد يكون قويًا ومفاجئًا، وقد يثير الخوف، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن وبعض الأشخاص الأكثر حساسية للقلق. وهنا يأتي دور الأسرة في بث الطمأنينة وعدم إظهار الهلع أمام الأطفال، وعدم الانشغال بتداول المقاطع والأخبار غير الموثوقة. يكفي أن نقول لأبنائنا بهدوء: هذه تنبيهات من الجهات المختصة من أجل سلامتنا، ونحن نتبع التعليمات، والله خير حافظًا.
وفي مثل هذه اللحظات يحتاج الإنسان إلى استحضار معنى الإيمان بالقضاء والقدر؛ ذلك الإيمان الذي لا يعني إهمال أسباب السلامة، بل يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله. يقول سبحانه وتعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
ومن المعاني العظيمة التي تربينا عليها قول النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك». إنها كلمات تعيد ترتيب المشاعر داخل الإنسان؛ نفعل ما نستطيع لحماية أنفسنا وأسرنا، ثم نطمئن إلى أن الأمر كله بيد الله.
والدعاء والالتجاء إلى الله عند الشدائد مطلب شرعي، وهو من أعظم ما يبعث السكينة في النفس. فهذا نبي الله يونس عليه السلام نادى في الظلمات: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فاستجاب الله له ونجّاه من الغم. وكان النبي ﷺ يوم بدر يكثر من الدعاء والاستغاثة بربه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه من شدة ابتهاله. فحين يطرق الخوف القلوب، لا ينبغي أن نستسلم له؛ بل نأخذ بأسباب السلامة، ونلتزم بالتعليمات، ونرفع أكفنا إلى الله بالدعاء، ونسأله الحفظ والأمن والطمأنينة.
ولنتذكر ذلك الموقف العظيم عندما كان النبي ﷺ مع أبي بكر رضي الله عنه في غار ثور، والخطر قريب منهما، فقال له كما أخبر القرآن: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. لم تكن هذه الكلمات إنكارًا للخطر، وإنما كانت إيمانًا بالله وسط الخطر، وثقة به سبحانه مع الأخذ بالأسباب.
وهذا هو التوازن النفسي الذي نحتاجه: لا نستهين بالإنذار، ولا نعيش أسرى له. إذا جاء التنبيه نلتزم بالتعليمات الرسمية، ونبتعد عن مواقع الخطر، ونحافظ على هدوئنا، ولا ننشر الشائعات أو المقاطع التي تثير الذعر، وننتظر المعلومات من الجهات المختصة.
ومن المهم كذلك ألا نجعل الأطفال يعيشون تفاصيل الأحداث لحظة بلحظة، وألا تبقى الشاشات أمامهم تعرض أصوات الانفجارات والتنبيهات والمقاطع المخيفة مرارًا؛ فالطفل قد لا يستطيع التمييز بين خطر وقع بعيدًا عنه وخطر يهدده في اللحظة نفسها. وكلمة هادئة من الأب أو الأم قد تمنحه من الأمان أكثر مما تمنحه عشرات التفسيرات.
ولله الحمد، ما نراه من تنبيهات وصفارات ورسائل رسمية هو جزء من منظومة الاستعداد والوقاية، ووجودها يدعو إلى الاطمئنان إلى أن هناك جهات تتابع وتنبّه وتوجه عند الحاجة. والواجب علينا أن نتعامل معها باعتبارها وسيلة سلامة لا مصدر رعب، وأن نستقي معلوماتنا من الجهات الرسمية ونلتزم بما يصدر عنها.
وفي النهاية، الخوف شعور طبيعي، لكن لا ينبغي أن نسمح له بأن يقود حياتنا أو ينتقل منا إلى أبنائنا. بين الأخذ بالأسباب، والالتزام بتعليمات الجهات المختصة، والدعاء والتوكل على الله، يجد الإنسان مساحة واسعة من الطمأنينة والسكينة.
حفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها والمقيمين على أرضها، وحفظ رجال أمنها وقواتها وكل من يعمل لحماية الأرواح والممتلكات، وأدام على بلادنا أمنها واستقرارها.
وإذا سمعنا صافرة إنذار فلنتذكر دائمًا: انتبهوا وخذوا بالأسباب، ولكن لا تدعوا الخوف يسبق الخطر؛ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.













