▪︎ مجلس نيوز
.
يلخّص المقال كيف تدفع تجارب الخذلان والفقد بعض الأشخاص إلى خلق مسافات عاطفية مع الآخرين، ليس رفضاً للقرب بل خوفاً من التعلق والأذى المحتمل عند الفقد. يشرح الكاتب “نمط التعلّق التجنبي” واستراتيجياته في تقليل طلب القرب وكبح الاحتياجات، مبيناً أنه نمط مكتسب يمكن مراجعته وتغييره. ويدعو في الختام إلى شجا…
ليست كل المسافات التي نصنعها بيننا وبين الآخرين رغبةً في البعد، ولا كل الأبواب التي نغلقها تعني أننا لا نريد أحداً خلفها. أحياناً نتعلم، من تجارب لم تكن لطيفة بما يكفي، أن الاقتراب له ثمن. أن كشف شيء من ضعفنا قد يؤلم، وأن الاتكاء على أحد قد يتركنا يوماً بلا سند، وأن المسافة وإن بدت موحشة أقل مخاطرة من خيبة جديدة. نمضي بعد ذلك في حياتنا، ندخل علاقات أخرى، نلتقي أشخاصاً مختلفين، وربما نحب من جديد. لكننا قد نجد أنفسنا أكثر حذراً مما كنا، نكشف أقل، ونتراجع خطوة صغيرة كلما اقترب أحد أكثر مما اعتدنا. الغريب أننا قد لا نخشى العلاقة نفسها، بقدر ما نخشى ما يمكن أن تفعله بنا إن أصبحت مهمة. فنريد القرب، ثم نقلق منه. نطمئن إلى وجود الآخر، ثم نبحث عن مساحة. نشتاق لكننا لا نقول. وربما نبتعد في اللحظة التي كان يمكن أن نقترب فيها أكثر. فهل نهرب دائماً لأننا لا نريد الآخرين، أم أن بعض المسافات ليست سوى طريقة قديمة تعلمنا بها أن نحمي أنفسنا؟
يأخذنا هذا السؤال إلى ما يُعرف في علم النفس بـ”نظرية التعلّق Attachment Theory” ، التي تفسر كيف تسهم خبراتنا في العلاقات المهمة في تشكيل إحساسنا بالأمان، وطريقتنا في الاقتراب من الآخرين والاعتماد عليهم. ومن الأنماط التي تصفها النظرية “التعلّق التجنبي Avoidant Attachment” ، حيث يميل الشخص إلى الحفاظ على قدر أكبر من الاستقلال والمسافة العاطفية، ويجد صعوبة في إظهار احتياجه أو الاعتماد على الآخرين، خصوصاً عندما يصبح القرب مصدراً للضغط أو الشعور بالتهديد. وفي هذا النمط قد يلجأ الإنسان إلى ما يُعرف نفسياً بـ”استراتيجيات التعطيل Deactivating Strategies”، فيقلل من طلب القرب والدعم، ويكبح بعض احتياجاته ومشاعره، وكأن المسافة تمنحه شعوراً أكبر بالأمان والسيطرة. وبلغة أقرب إلى التجربة الإنسانية، قد لا تكون الرسالة الداخلية دائماً “لا أريدك”، بل أحياناً “لا أريد أن أحتاج إليك إلى الحد الذي يجعل فقدك قادراً على إيذائي”.
لكن من أين يتعلم الإنسان أن القرب قد يكون شيئاً يحتاج إلى الحذر منه؟ لا تتشكل هذه الطريقة من سبب واحد. فقد تبدأ جذورها في علاقات مبكرة لم يكن فيها الاحتياج العاطفي يجد استجابة كافية، وقد تصنعها أو تعززها تجارب لاحقة، علاقة خذلت الثقة، أو صداقة انتهت بطريقة مؤلمة، أو فقدٌ ترك أثره، أو مواقف متكررة تعلّم فيها الإنسان أن إظهار ضعفه لا يقابَل دائماً بالأمان. ومع الوقت قد يتعلم شيئاً لم يقرر يوماً أن يتعلمه.. أن يقلل توقعاته، وأن يعتمد على نفسه أكثر. قد تنتهي التجربة، لكن الطريقة التي تعلمنا أن نحمي بها أنفسنا قد تستمر معنا بعدها، وتظهر في مساحات مختلفة من حياتنا.
في علاقة عاطفية، قد يكون الشخص حاضراً ومهتماً، لكنه يتراجع حين يزداد القرب أو تصبح المشاعر أكثر وضوحاً. قد يشتاق ولا يبادر، أو يشعر بأن العلاقة أصبحت مهمة أكثر مما كان يتوقع، فيبحث عن مسافة تعيد إليه شعوره بالأمان. وقد تظهر حتى مع شريك الحياة، فقد يحب الإنسان شريكه ويشاركه سنواته وتفاصيل يومه، لكنه يجد صعوبة في مشاركته مخاوفه واحتياجاته الأعمق. وحين يقع خلاف، قد ينسحب إلى الصمت بدل الحوار، أو يحاول حمل ما يثقله وحده.
ونراها أيضاً في صديق يعرف كيف يكون حاضراً لأصدقائه، لكنه حين تضيق به الحياة يختفي حتى يعبر أزمته وحده. أو في ابن يحب أسرته، لكنه يجد صعوبة في أن يقول “أنا بحاجة إليكم”. وفي شخص اعتاد أن يكون هو القوي والمستمع والمساند، حتى أصبح تلقي الدعم أصعب عليه من تقديمه. وقد تمتد إلى العمل، فيمن يحمل فوق طاقته لأن طلب المساعدة يبدو أصعب من إنجاز كل شيء وحده.
تختلف العلاقات والمواقف، لكن قد يجمع بعضها سؤال داخلي واحد.. ماذا سيحدث لو سمحت لنفسي أن أحتاج إلى أحد؟ فليست كل الطرق التي حمَتنا في الماضي صالحة لأن ترافقنا إلى المستقبل. وقد تتحول الحماية، من دون أن نقصد، إلى حاجز لا يمنع الألم وحده من الوصول إلينا، بل يمنع أحياناً القرب والمساندة والثقة أيضاً.
لكن فهم هذه الصور لا يعني أن نضع كل مسافة تحت اسم واحد. فليس كل ابتعاد تعلقًا تجنبياً، ولا كل استقلال علامة على نمط غير آمن. قد يحتاج الإنسان إلى مساحته، أو يفضّل معالجة بعض مشاعره وحده، أو يكون قليل التعبير بطبيعته.
التعلّق التجنبي لا يُفهم من موقف عابر، بل من نمط متكرر في التعامل مع القرب والاحتياج والاعتماد على الآخرين. وفهم التجنب لا يعني أيضاً تبرير ما قد يسببه من ألم. أن نفهم لماذا ينسحب شخص ما، لا يعني أن يصبح الآخر مطالباً بانتظار عودته دائماً، أو تفسير صمته، أو التنازل عن احتياجاته. الفهم يمنحنا مساحة للتعاطف، لكنه لا يلغي مسؤوليتنا عن الطريقة التي نعامل بها الآخرين. والأهم أن أنماط التعلّق ليست أحكاماً نهائية. فالإنسان قادر على أن يراجع ما تعلّمه عن القرب، وأن يختبر في علاقاته صوراً أكثر أماناً.
ربما لا نستطيع تغيير كل ما حدث لنا، لكن التغيير قد يبدأ حين ننتبه إلى ما بقي منه في الطريقة التي نتعامل بها مع القرب. فإذا كان الابتعاد قد حماك يوماً، فهذا لا يعني أنك ما زلت بحاجة إليه في كل مرة. أحياناً تكون الشجاعة في أن نبقى هذه المرة، أن نقول ما نشعر به بدل أن نختفي، وأن نسمح للآخر بأن يقترب دون أن نستعد منذ البداية للحظة رحيله. وربما أجمل ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا بعد كل ما مررنا به، ألا نجعل أشخاصاً لم يؤذونا يدفعون ثمن أشخاص فعلوا.
فليس التجاوز أن ننسى ما حدث، بل أن نتوقف يوماً عن العيش وكأنه ما زال يحدث.













