▪︎ مجلس نيوز
.
يؤكد المقال أنّ قوة السعودية اليوم تكمن في استمرارها في تنفيذ مشاريع “رؤية 2030” وتنويع اقتصادها، رغم التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. ويشير إلى أنّ تجاوز عدد الشركات العالمية المنضمة لبرنامج المقرات الإقليمية في المملكة حاجز ٧٥٠ شركة يعكس تصويتاً طويل الأجل بالثقة في استقرار السوق السعودي…
ليست قوة الدول في قدرتها على رسم المستقبل فقط، بل في قدرتها على مواصلة السير إليه عندما تتغير الطرق من حولها. فالخطط تختبرها الأزمات، والطموحات تكشف حقيقتها الظروف الصعبة، أما النجاح الذي يستمر وسط عالم مضطرب فهو أكثر من إنجاز.. إنه دليل على صلابة الدولة وقدرتها على إدارة المستقبل.
ومن هذه الزاوية أقرأ المشهد السعودي اليوم
فالمنطقة تمر بتحولات جيوسياسية متسارعة، والعالم يعيش تقلبات اقتصادية واضطرابات في سلاسل الإمداد والطاقة والاستثمار، وهي ظروف كفيلة بأن تدفع كثيرا من الدول والمستثمرين إلى التريث وإعادة الحسابات.
لكن في السعودية، يبدو المشهد مختلفا.
المشاريع تمضي، والاستثمارات تتواصل، والرياض تتوسع، والقدية والدرعية والعلا والبحر الأحمر تتحول تباعا من أفكار ومخططات إلى واقع، بينما تستمر المملكة في بناء قطاعات جديدة في السياحة والتقنية والصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية.
وهنا تحديدا تكمن أهمية ما يحدث.
فالمسألة لم تعد كم مشروعا أطلقت السعودية، بل كم مشروعا استطاعت أن تمضي به إلى الأمام عندما تغيرت الظروف من حولها.
وبالتأكيد، المملكة ليست بمعزل عن تحديات الاقتصاد العالمي. فتكاليف التمويل وتقلب الأسواق واضطراب سلاسل الإمداد والتوترات الإقليمية عوامل تفرض ضغوطها على الاقتصادات والمشاريع حول العالم. لكن القدرة على إدارة هذه المتغيرات وإعادة ترتيب الأولويات دون فقدان الاتجاه هي التي تفرق بين مشروع تنموي تحكمه الظروف ومسار اقتصادي يمتلك المرونة لمواجهتها.
والأرقام تقدم شاهدا مهما على حجم الثقة بالسوق السعودية، فقد تجاوز عدد الشركات العالمية المنضمة إلى برنامج المقرات الإقليمية في المملكة 750 شركة، متخطيا قبل سنوات من موعده المستهدف البالغ 500 شركة بحلول 2030.
وفي تقديري، لا ينبغي قراءة هذا الرقم باعتباره انتقال مكاتب وشركات إلى الرياض فحسب، بل بوصفه تصويتا اقتصاديا على المستقبل؛ فالشركات العالمية عندما تختار مقرا إقليميا، فإنها تتخذ قرارا طويل الأجل يرتبط بحجم السوق والاستقرار والفرص والنمو المتوقع.
وهذه الثقة لا تقتصر على الشركات الاستثمارية والتقنية، بل تمتد إلى شركات ومؤسسات إعلامية دولية اختارت السعودية مقرا إقليميا لأعمالها. وفي تقديري، فإن مثل هذه القرارات تعكس ما تتمتع به المملكة من أمن واستقرار وبيئة جاذبة للأعمال، خصوصا في منطقة تعيش تحديات جيوسياسية متلاحقة. فاختيار المقر لا يرتبط بحجم السوق وحده، بل بالمكان الذي تستطيع فيه الشركات أن تعمل وتنمو وتخطط للمستقبل بثقة وأمان.
وفي الوقت نفسه، تتقدم المشاريع السعودية في مسارات متعددة. البحر الأحمر يرسخ حضوره على خارطة السياحة العالمية، والدرعية تعيد تقديم التاريخ السعودي ضمن وجهة عالمية، والقدية تبني قطاعا واسعا للترفيه والرياضة، والعلا تواصل تعزيز مكانتها السياحية والثقافية، فيما تشهد الرياض تحولا عمرانيا واقتصاديا متسارعا.
لكن الأهم من أسماء المشاريع هو أثرها.
فهذه الوجهات ليست مباني ومنشآت فقط، بل محركات اقتصادية تخلق الوظائف، وتحرك سلاسل الإمداد، وتجذب رؤوس الأموال والخبرات، وتفتح فرصا أمام القطاع الخاص، وتسهم في بناء قطاعات اقتصادية جديدة.
وما أراه أكثر أهمية أن السعودية لم تعد سوقا تستقبل التقنية والخبرة ورأس المال فحسب، بل تتحول تدريجيا إلى شريك في صناعتها وتطويرها وتوطينها. وهو تحول يظهر في اتساع الشراكات الدولية، واستقطاب الشركات العالمية، ونمو قطاعات التقنية والذكاء الاصطناعي والصناعة والخدمات المتقدمة.
ومن هنا يصبح استمرار هذا الحراك رغم الظروف الجيوسياسية أكبر من مجرد نجاح في التنفيذ؛ إنه اختبار حقيقي لصلابة الاقتصاد السعودي وقدرة الدولة على إدارة المخاطر طويلة الأجل.
فتنويع القطاعات يعني تنويع مصادر القوة، وكل قطاع جديد يضاف إلى الاقتصاد يمنحه مساحة أكبر لامتصاص الصدمات الخارجية. لذلك فإن ما يجري اليوم لا يتعلق بإنجاز مشروع هنا أو افتتاح وجهة هناك، بقدر ما يتعلق ببناء اقتصاد أكثر اتساعا ومرونة وقدرة على التعامل مع عالم سريع التغير.
كما أن السعودية لا تنعزل عن هذا العالم المضطرب، بل تتحرك داخله بثقل متزايد، وتبني شراكاتها مع الشرق والغرب، وتستفيد من موقعها وإمكاناتها وقوتها الاقتصادية والسياسية لتكون جزءا مؤثرا في حركة الاستثمار والطاقة والتقنية والاقتصاد العالمي.
ختام ما أقوله..
النجاح في زمن الاستقرار إنجاز، لكن استمرار النجاح عندما تضطرب المنطقة وتتغير حسابات العالم هو الاختبار الأصعب.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لما يحدث في السعودية اليوم ليست فقط في حجم المشاريع التي تنفذ، ولا في مليارات الريالات التي تستثمر، وإنما في استمرار المسار نفسه رغم المتغيرات.
قد تتغير الظروف الجيوسياسية، وقد تضطرب الأسواق وتتبدل حسابات الاقتصاد العالمي، لكن السعودية أثبتت أنها لا تبني مستقبلها على افتراض أن العالم سيبقى هادئا.
إنها تبنيه على قدرتها على الاستمرار عندما لا يكون كذلك.
وهنا تكمن قوة الحكاية السعودية.













