▪︎ مجلس نيوز
.
يؤكد المقال أن الفرق الجوهري بين المدير والقائد الناضج يكمن في قدرة القائد على بناء الإنسان وتطوير الأنظمة وصناعة بيئة عمل قادرة على التعلم والاستمرار، لا في مجرد إدارة الواقع أو سرعة اتخاذ القرار. ويبرز نموذج “القائد التطويري” الذي يشارك المعرفة، ويمكّن المواهب، ويصنع منظمة متعلمة لا تعتمد على فرد…
ليس كل من يشغل منصباً إدارياً قائداً ، وليس كل قائد يترك أثراً يستمر بعده، فهناك من يدير العمل بكفاءة، وهناك من يتجاوز حدود الإدارة ليبني الإنسان، ويطوّر الأنظمة، ويصنع بيئة قادرة على الاستمرار والنمو.
وعلى مدى عقود، تعددت مدارس القيادة وأنماطها، فمنها القيادة التسلطية التي تقوم على الحسم وسرعة القرار، والقيادة الديمقراطية التي تؤمن بالمشاركة، والقيادة التحويلية التي تقود التغيير وتلهم الأفراد، والقيادة الخادمة التي تجعل تمكين الآخرين جزءًا من مسؤولية القائد، إلى جانب القيادة الموقفية التي ترى أن القائد الناجح لا يتمسك بأسلوب واحد، بل يختار الأسلوب الأنسب بحسب الموقف والفريق والتحدي.
وهنا يظهر الفارق بين المدير الجيد والقائد الناضج، فالقائد الحقيقي يعرف متى يحسم، ومتى يستمع، ومتى يوجّه، ومتى يمنح الآخرين المساحة للتجربة واتخاذ القرار.
ومن أجمل صور القيادة أن يكون القائد تطويريًا ومُمكّنًا، لا يحتكر المعرفة، ولا يخشى نجاح من حوله، بل ينقل خبرته، ويصقل المواهب، ويمنح الثقة، ويفتح الطريق أمام الكفاءات لتتحول مع الوقت إلى قيادات قادرة على تحمل المسؤولية.
وقد ارتبط هذا المعنى بفكر المفكر الإداري بيتر سنج ومفهوم «المنظمة المتعلمة»، حيث لا تقوم المنظمة الناجحة على شخص واحد يمتلك المعرفة، بل على بيئة تتشارك الخبرات، وتتعلم باستمرار، وتبني رؤية مشتركة، وتطور أدواتها وأساليب عملها.
والقائد التطويري لا يكتفي بإدارة الواقع كما هو، بل يسأل دائمًا: كيف يمكن أن نعمل بصورة أفضل؟ كيف نختصر الإجراءات؟ كيف نعالج مواطن الخلل؟ وكيف نستثمر في المواهب بدل أن تبقى مجرد طاقات غير مكتشفة؟
إن القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد القرارات التي يتخذها القائد، ولا بحجم الصلاحيات التي يمتلكها، بل بعدد الأشخاص الذين أصبحوا أكثر قدرة بسببه، وبمقدار ما تركه من معرفة وثقة ونظام أفضل مما كان عليه.
فليس العز مختصر في منصب، ولا الدين في شعار، إنما العز مدرسة قيادية وأثرٍ يبقى، والدين مبدأٍ يُصان، والقيادة في قادةٍ يتم صناعتهم ودعمهم من قادة داعمين بالفطرة.
ولعل هذه هي الصورة الأجمل للقائد الذي لا يكتفي بأن يقود فريقًا، بل يعمل على أن يكون الفريق، بعده، أكثر قدرة على القيادة، لأن القائد الحقيقي والمستشار القوي الأمين، لا يترك خلفه فراغًا عند رحيله، بل يترك قادةً قادرين على الاستمرار، ومنظومة أكثر قدرة على التطور مما كانت عليه.













