▪︎ مجلس نيوز
.
المقال يناقش ظاهرة “تمدد المفاهيم” في علم النفس، حيث تتوسع معاني مصطلحات مثل الصدمة النفسية، والاكتئاب، والعلاقات السامة، والنرجسية، لتشمل تجارب إنسانية عادية لم تكن تُعد سابقاً اضطراباً أو أذى نفسياً. ويرى الكاتب أن انتشار اللغة النفسية منح الناس فهماً واعترافاً بألمهم، لكنه في الوقت ذاته قد يخلط ب…
في وقتٍ ما كنا نشعر بالأشياء دون أن نعرف أسماءها. نحزن فنقول إننا حزينون، نقلق قبل موعد مهم، نتألم من علاقة انتهت، ونغضب من شخص أساء إلينا. كانت المشاعر، رغم ثقل بعضها، تحمل أسماء بسيطة تشبهها. اليوم، أصبحنا نملك لغة أوسع بكثير لفهم ما يحدث داخلنا. صرنا نعرف عن الصدمات النفسية، والقلق، والاكتئاب، والعلاقات السامة، والنرجسية، والتلاعب، والحدود النفسية. وهذا الوعي منح كثيرين القدرة على فهم تجارب عاشوها طويلاً دون تفسير، وساعد آخرين على طلب المساعدة حين احتاجوها.
لكن ماذا لو اتسعت الكلمات أكثر مما ينبغي؟ ماذا لو أصبح كل حزن اكتئاباً، وكل خوف اضطراباً، وكل علاقة مؤلمة سامة، وكل شخص أناني نرجسياً، وكل موقف ترك أثراً فينا صدمة نفسية؟ ربما لا تكمن المشكلة في أننا تعلمنا لغة النفس، بل في أن بعض كلماتها بدأت تتسع بهدوء، حتى أصبحت تشمل تجارب لم تكن تعنيها في الأصل. وهذه الملاحظة لها في علم النفس اسم (Concept Creep).
يمكن ترجمة المصطلح إلى “تمدد المفهوم” أو “زحف المفهوم”، وقد استخدم عالم النفس الأسترالي (نِك هاسلام Nick Haslam) هذا المصطلح لوصف الطريقة التي تتوسع بها بعض المفاهيم النفسية والاجتماعية مع الوقت، فتشمل تجارب أو سلوكيات لم تكن تدخل ضمن معناها سابقاً. وفي ورقته المنشورة عام 2016، تتبّع هاسلام هذا التوسع في مفاهيم من بينها الصدمة النفسية، والتنمر، والإساءة، والإدمان، والاضطراب النفسي، والتحيز. ولاحظ أن التوسع قد يحدث بأن يشمل المفهوم حالات أقل شدة، أو يمتد إلى أنواع جديدة من التجارب.
ولا يعني “تمدد المفهوم” بالضرورة أن هذا التوسع خاطئ. ففي أحيان كثيرة، ساعد اتساع فهمنا للمفاهيم النفسية على رؤية أذى كان يُتجاهل، ومنح تجارب إنسانية حقيقية اسماً واعترافاً لم تحظَ بهما من قبل. المسألة تبدأ حين تتسع الكلمة إلى الحد الذي تصبح فيه الحدود بين التجربة الإنسانية الطبيعية وبين الاضطراب أو الأذى النفسي أقل وضوحاً.
وهنا يغادر المصطلح أوراق علم النفس، ويدخل إلى حياتنا اليومية. قد ينتهي خلاف بين شخصين، فيخرج أحدهما مقتنعاً بأنه كان في علاقة “سامة”. وقد يتصرف شخص بأنانية فنصفه سريعاً بأنه “نرجسي”. أما التجربة التي أوجعتنا وبقي أثرها معنا، فقد تجد طريقها بسهولة إلى كلمة “صدمة أو تروما”. وحتى في حديثنا عن أنفسنا يحدث الأمر ذاته.. يوم ثقيل يصبح اكتئاباً، والقلق قبل قرار مهم قد يبدو اضطراب قلق، والرغبة في ترتيب الأشياء أو التأكد منها أكثر من مرة تُوصف أحياناً بالوسواس القهري.
ولا يعني ذلك أن هذه الحالات مجرد كلمات مبالغ فيها، هي حالات وتجارب حقيقية، وبعضها يحتاج إلى تدخل متخصص. لكن وجود المفهوم لا يعني أن كل تجربة تشبه جزءاً منه تنتمي إليه. فالفرق قد يبدو صغيراً في اللغة، لكنه كبير في المعنى. لكن إذا كانت هذه الفروق مهمة، فلماذا نميل إلى تجاوزها بهذه السهولة؟ ربما لأن الكلمات تمنحنا شعوراً بالفهم. حين نعطي ما حدث لنا اسماً، يبدو أكثر وضوحاً وأقل فوضى. وهذا أحد أجمل ما قدمه انتشار الوعي النفسي لنا.
وأحياناً لا تبقى التسمية مجرد وصف للتجربة، فقد تؤثر في الطريقة التي نراها بها. فحين أصف تجربة عابرة بأنها “صدمة”، قد أبدأ في قراءة أثرها عليّ من خلال هذا المعنى. وحين أصف شخصاً صعباً بأنه “نرجسي”، قد أبدأ في رؤية تصرفاته التالية من خلال هذا الوصف.
أمضينا سنوات نتعلم أن مشاعرنا تستحق أن تُسمع، وأن الألم لا ينبغي أن يُستهان به، وكان ذلك ضرورياً. لكن الاعتراف بالألم لا يعني دائماً أن نحوله إلى مرض، كما أن فهم السلوك لا يتطلب بالضرورة أن نمنحه تشخيصاً.
فهل أصبحنا اليوم أكثر فهماً لأنفسنا، أم أصبحنا أحياناً أسرع في تسميتها؟ ربما حدث الأمران معاً.
لقد انتقلنا من زمن لم نكن نملك فيه اسماً لكثير مما نشعر به، إلى زمن أصبح لدينا فيه اسم نفسي لكل ما نشعر به تقريباً. وبين الصمت القديم وكثرة التسميات اليوم، ربما يمكننا أن نتوقف قليلاً قبل أن نضع التجربة داخل مصطلح. أن نسأل ببساطة.. ماذا حدث فعلاً؟ ماذا شعرت؟ وكم استمر هذا الشعور وأثّر في حياتي؟
المشاعر الإنسانية لم تصبح حقيقية يوم تعلمنا أسماءها النفسية. لذلك، حين تمر بك تجربة تؤلمك، ربما يكفي أحياناً أن تسمي شعورك كما هو.. حزنت. خفت. شعرت بالرفض. أوجعني ما حدث.
لقد منحنا الوعي النفسي لغة ثمينة لفهم أنفسنا. وربما لا يكون الوعي في أن نعرف أسماء أكثر، وإنما في أن نعرف متى نستخدمها، ومتى نترك للمشاعر أسماءها البسيطة. فليس كل ألم مرضاً، وليس كل خوف اضطراباً، وليس كل تجربة موجعة صدمة. وأحياناً لا يحتاج ما نشعر به إلى تشخيص كي يكون جديراً بأن نصغي إليه.













