▪︎ مجلس نيوز
.
يدور المقال حول رجل ميسور الحال اعتاد لسنوات أن يخلع ثوبه الأنيق كل مساء ويرتدي ثوبًا رثًّا، فيخرج بين الناس بمظهر الفقير رغم غناه، مما أثار استغراب أهل الحي وحيرتهم دون أن يقدّم لهم تفسيرًا حتى وفاته. يخلص الكاتب إلى أن سرّ تصرف الرجل ظل مجهولًا، لتتحول الحكاية إلى دعوة للتأمل في خفايا النفوس، والت…
كان في حينا قبل عدة سنوات رجلٌ ميسور الحال، ظاهرُ النعمة، لا تخفى على من حوله سعةُ رزقه، ولا تبدو عليه آثار الحاجة أو العوز. كان يملك من أسباب العيش ما يغنيه، ومن المال ما يكفيه، وكان يستطيع أن يخرج إلى الناس في أبهى ثيابه، كما يفعل أمثاله ممن وسّع الله عليهم في الرزق.
غير أن الرجل كان يفعل في كل مساء أمرًا يثير الدهشة، ويستعصي على الفهم.
فما إن يقترب المساء حتى يخلع ثوبه الأنيق، ويرتدي بدلًا منه ثوبًا رثًّا باليًا، قد أكل الدهر أطرافه، وعبثت به الأيام، وتفرقت خيوطه، وبدت فيه شقوقٌ لا تخطئها العين. ثم يخرج إلى الحي على هيئة من أرهقته الحاجة، يمشي بين الناس متظاهرًا بالفقر والمسكنة، كأنما ضاقت به الدنيا حتى لم يبق له فيها إلا ما يستر جسده.
وكان المشهد يتكرر كل يوم، حتى أصبح حديث الناس ومثار استغرابهم.
كان بعضهم ينظر إليه بعين الشفقة، وبعضهم يرمقه بعين الريبة، وآخرون كانوا يعرفون حقيقة حاله، فيستثقلون ما يرونه منه، ويعدّونه ضربًا من التظاهر والتصنع. وكان أشد ما يثير حنقهم أن الرجل لم يكن يجهل نظرة الناس إليه، ولا يخفى عليه ما يقال في شأنه؛ فقد بلغه من النقد والعتب الشيء الكثير.
قال له بعض معارفه ناصحين: ما الذي تصنعه بنفسك؟ أنت رجل قد أغناك الله، وهذه الهيئة لا تليق بك، والناس يتحدثون عنك، وبعضهم يظنك محتاجًا أو مختلّ الحال.
وكان يستطيع أن يجيبهم بجملة واحدة، وأن يضع حدًّا لهذا اللغز الذي حيّر أهل الحي. لكنه لم يفعل.
كان يبتسم، ثم يمضي.
ويعود في المساء التالي إلى عادته نفسها، كأن كلمات الناس لم تبلغه، وكأن ألسنتهم لم تمسّ شيئًا في نفسه. يخلع ثوبه الأنيق، ويرتدي ثوبه البالي، ويخرج إلى الطرقات بالهيئة ذاتها التي أثارت حوله العجب والظنون.
ومضت سنة، ثم أخرى، ثم أعوام طويلة، والعادة لا تتغير.
حتى صار الناس على يقين من أن وراء هذا السلوك سرًّا لا يعرفونه. فمن غير المعقول أن يكون الرجل قد عجز عن فهم ما يراه الناس فيه، ومن غير المتصور أن يصرّ على أمر يجلب له اللوم والانتقاد دون غاية. ومع ذلك، لم يملك أحد مفتاح ذلك السر.
ثم مضت الأيام، وانقضت السنون، وجاء الأجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر، فتوفاه الله، وبقي اللغز كما هو: لماذا كان الرجل يفعل ذلك؟
رحل الرجل، ورحل معه جوابه.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أنها تفتح أمامنا بابًا واسعًا للتأمل في طبيعة الإنسان، وفي ذلك العالم الخفي الذي يسكن وراء أفعاله. فنحن كثيرًا ما نحاكم الناس من ظاهر أفعالهم، ونبني أحكامنا على مشاهد قصيرة، ثم نمنح أنفسنا حق تفسير نياتهم ودوافعهم، مع أننا لا نرى إلا القشرة الخارجية من حياتهم.
لقد رأى أهل الحي رجلًا غنيًّا يرتدي ثوب الفقير، فافترض بعضهم أنه يريد خداع الناس، ورأى آخرون في فعله غرابةً لا معنى لها، وربما رآه بعضهم متصنعًا أو طالبًا للشفقة. لكن أحدًا لم يكن يعلم ما يدور في نفسه، ولا ما الذي حمله على ذلك السلوك، ولا أي قصة كانت تختبئ خلف ذلك الثوب البالي.
وربما كان الرجل يهرب من شيء لا يعرفه الناس، أو يذكّر نفسه بنعمة الله عليه، أو يخشى أن يفسد الغنى قلبه، أو كان يرى في مظهر الفقر درسًا لنفسه لا للناس. وربما كان وراء الأمر سبب آخر لا يخطر على بال أحد.
وهنا تكمن العبرة.
ليس كل ما نراه مفهومًا، وليس كل ما نجهله خاليًا من الحكمة.
فالإنسان أعمق من مظهره، وأوسع من تصرفاته الظاهرة، وفي داخله أبواب لا يفتحها للناس، وأسرار لا يبوح بها حتى لأقرب المقربين إليه. وقد يكون في فعلٍ نستغربه اليوم معنى لا نعرفه، أو ألمٌ لا نشعر به، أو تجربةٌ لم نعشها، أو قناعةٌ لم نفهمها.
ومن الخطأ أن نضع الناس في قوالب ضيقة لمجرد أننا لم نفهم سلوكهم.
لقد كان أهل الحي يرون الثوب الرثّ، أما الرجل فكان وحده يعرف لماذا يرتديه. وكانوا يسمعون كلام الناس عنه، أما هو فكان وحده يعرف حقيقة ما في قلبه. وكانوا يحاكمون الصورة، بينما بقيت الحقيقة مستترة خلفها حتى واراه التراب.
ولعل في ذلك تذكيرًا بليغًا لنا جميعًا: لا تتعجلوا الحكم على الناس من ظاهر أحوالهم، فكم من أمرٍ حسبناه عبثًا، وكان وراءه معنى، وكم من إنسانٍ أسأنا الظن به لأننا لم نعرف قصته.
لقد مات الرجل ولم نعرف سر ثوبه.
لكن ربما لم تكن قيمة الحكاية في أن نعرف السر، وانما في أن نتعلم منها ألا نزعم معرفة ما لا نعرف.
فبعض الأسرار تمضي مع أصحابها إلى القبور، وبعض الأفعال لا يفسرها إلا أصحابها، وبعض الحكايات لا تمنحنا نهايتها؛ لتترك لنا بدلًا من الإجابة سؤالًا أكبر:
كم من إنسان نحكم عليه كل يوم، ونحن لا نعرف شيئًا عن المعركة التي يخوضها في صمت؟
رحم الله ذلك الرجل، وغفر له ما علمنا وما لم نعلم، وجعل ما كان يخفيه بينه وبين ربه خيرًا مما ظنناه نحن عنه. ولعل ثوبه البالي الذي طالما أثار استغراب الناس لم يكن مجرد قطعة قماش، بل كان صفحة من كتابٍ لم يُسمح لأحد أن يقرأه.
وهكذا بقي الرجل لغزًا، وبقي الثوب شاهدًا صامتًا على حقيقة لا يعلمها إلا الله.
فليس كل ما خفي عن أعين الناس خاليًا من المعنى، وليس كل ما ظهر لهم هو الحقيقة.













