▪︎ مجلس نيوز
.
صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطها الاقتصادية على إيران بإطلاق ما سمته وزارة الخزانة “عملية المنبوذ الاقتصادي”، موسعة نطاق العقوبات الثانوية لتشمل نحو 60 شخصاً وكياناً وسفينة، مع استهداف خمسة قطاعات رئيسية، وتهديد دول ومصارف وشركات، بينها جهات صينية، بفقدان الوصول للنظام المالي بالدولار…
صعّدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاثنين، حملتها الاقتصادية على إيران إلى مستوى جديد، معلنةً توسيع نطاق العقوبات الثانوية لتطال جهات ودولاً تواصل التعامل مع طهران، بالتزامن مع فرض عقوبات على نحو 60 شخصاً وكياناً وسفينة مرتبطة بشبكات إيرانية.
ووصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الإجراءات الجديدة بأنها بداية «عملية المنبوذ الاقتصادي»، مؤكداً أن الهدف هو تجفيف مصادر الإيرادات الإيرانية وعزل طهران عن النظام المالي والتجاري العالمي.
وقال بيسنت إن إيران باتت أمام خيارين: «العزلة العالمية التامة» واقتصاد يعتمد على الحد الأدنى من الموارد، أو العودة إلى ما وصفه بالوضع الطبيعي وإعادة الانخراط في الاقتصاد العالمي. وأضاف أن إدارة ترامب «أظهرت العزيمة لإنهاء التهديد الإيراني»، معتبراً أن سياسة استرضاء طهران «لن تجدي نفعاً بعد الآن».
5 شرايين تحت المجهر
بحسب وزارة الخزانة الأمريكية، تركز الإجراءات القطاعية الجديدة على خمسة مجالات تعتبرها واشنطن من أبرز «شرايين الحياة» التي تستفيد منها إيران خارج حدودها، وهي: الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن البحري.
وفي خطوة موازية، أعلنت الخزانة تعليق تراخيص عامة كانت تسمح بإجراء بعض التحويلات المالية المرتبطة بإيران. كما فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية «OFAC» عقوبات على ما يقرب من 60 شخصاً وكياناً وسفينة في دول عدة، ضمن حملة تستهدف خصوصاً شركات وسفن ما تصفه واشنطن بـ«أسطول الظل».
وتتهم الإدارة الأمريكية هذه الشبكات بالمساعدة في نقل النفط الإيراني وتحويل عائداته، إلى جانب توفير تقنيات مرتبطة بالبرامج النووية والصاروخية والمساهمة في أنشطة إلكترونية لصالح طهران.
وتأتي الخطوة في إطار محاولة أوسع لإغلاق المنافذ التي تقول واشنطن إن إيران تستخدمها للالتفاف على القيود المالية، بدءاً من شركات الصرافة ومناطق التجارة الحرة، مروراً بالمصارف، وصولاً إلى تسجيل السفن والطائرات وعمليات نقل الوقود.
وشدد بيسنت على أن أي جهة تسهّل عمليات مالية لصالح إيران قد تجد نفسها خارج النظام المالي القائم على الدولار، مضيفاً: «لقد بدأ العد التنازلي الآن».
مهلة للدول.. والصين ليست مستثناة
لا تقتصر الرسالة الأمريكية هذه المرة على الشركات الإيرانية أو الوسطاء، إذ وضعت واشنطن الحكومات والمؤسسات الأجنبية أمام خطر العقوبات الثانوية. وقال بيسنت إن فرقاً من وزارات الخزانة والخارجية والدفاع تجري اتصالات مع نظرائها حول العالم لإبلاغهم بالإجراءات المطلوبة.
وأوضح أن كل دولة ستحصل على جدول زمني محدد لإنهاء الأنشطة التي رصدتها واشنطن، من دون الإعلان عن موعد نهائي موحد للجميع، مشيراً تحديداً إلى فروع بنك «ملي» الإيراني، ومطالباً بإغلاقها ووقف عملياتها بالكامل.
وعندما سئل عن سبب عدم فرض العقوبات فوراً، قال بيسنت إن واشنطن تريد منح الأطراف المعنية فرصة لتصحيح سلوكها بدلاً من إحداث اضطراب واسع في النظام المالي العالمي، لكنه حذّر من أن المهلة ستكون محدودة، مؤكداً أن صبر الولايات المتحدة «ليس بلا نهاية».
والصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، ليست بعيدة عن التهديدات الجديدة. فقد أكد بيسنت أنه «لا أحد بمنأى عن العقوبات الأمريكية»، موضحاً أن الجهات التي تساعد في تحويل النفط الإيراني إلى إيرادات ستكون عرضة للاستهداف. كما كشف أن الخزانة تعتزم فرض عقوبات على مؤسسة مالية كبرى بحلول نهاية الأسبوع بسبب تعاملات مرتبطة بإيران، من دون الكشف عن هويتها.
وقال إن ترامب نفسه يجري اتصالات مع قادة دول ويطلب منهم اتخاذ خطوات محددة، من بينها وقف شراء النفط الإيراني.
الريال في قلب الحرب الاقتصادية
تزامنت الحملة مع هجوم لافت من بيسنت على وضع العملة الإيرانية، بعدما تجاوز سعر الدولار مستوى مليوني ريال في السوق الإيرانية. واستعاد الوزير الأمريكي تصريحات أدلى بها في مارس 2025، عندما قال إنه لو كان إيرانياً لسارع إلى إخراج أمواله من الريال، وكان الدولار حينها يساوي نحو 887.5 ألف ريال بحسب الأرقام التي أوردها بيسنت، فيما كان معدل التضخم الرسمي يدور حول 35%.
وبعد أكثر من عام، أشار إلى تجاوز الدولار حاجز مليوني ريال، قبل أن يتهكم قائلاً: «3 ملايين ريال للدولار.. نحن قادمون». وربط بيسنت هبوط العملة بتراجع قدرة إيران على الحصول على الإيرادات، مستشهداً بتصريحات إيرانية حديثة بشأن الضغوط الناجمة عن تراجع إيرادات النفط والضرائب والضمان الاجتماعي.
ويزيد ضعف الريال من الضغوط الداخلية على الاقتصاد الإيراني، إذ يرفع تكلفة الواردات والمواد الأولية ويؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، بينما يدفع مزيداً من الإيرانيين إلى العملات الأجنبية والذهب لحماية مدخراتهم.
من «الضغط الأقصى» إلى خنق شبكات الالتفاف
تعيد الإجراءات الجديدة إلى الواجهة استراتيجية «الضغط الأقصى» التي ارتبطت بترامب منذ ولايته الأولى، عندما انسحب عام 2018 من الاتفاق النووي الموقع مع إيران في 2015 وأعاد فرض عقوبات واسعة على قطاعات النفط والمصارف والشحن.
لكن الحملة المعلنة الآن تذهب، وفق الخطاب الأمريكي، إلى أبعد من فرض عقوبات مباشرة على الاقتصاد الإيراني، إذ تركز بصورة أكبر على معاقبة الأطراف الخارجية التي تتيح لطهران مواصلة تجارتها. وهنا تكمن قوة العقوبات الثانوية الأمريكية؛ فالولايات المتحدة تستطيع عملياً وضع الشركات والمصارف الأجنبية أمام خيار صعب: مواصلة التعامل مع إيران والمخاطرة بفقدان الوصول إلى السوق والنظام المالي الأمريكي، أو قطع تلك العلاقات.
غير أن إعلان العقوبات لا يعني بالضرورة نجاح واشنطن في وقف جميع التدفقات المالية والتجارية إلى إيران. فاعلية الحملة ستعتمد على مستوى التزام الدول والشركات الأجنبية، وقدرة طهران على تطوير قنوات بديلة للبيع والدفع والنقل، إضافة إلى موقف شركاء اقتصاديين كبار وفي مقدمتهم الصين.
ومع ذلك، تكشف رسائل بيسنت عن انتقال واشنطن إلى مرحلة أكثر اتساعاً في المواجهة الاقتصادية؛ فالمستهدف لم يعد فقط النفط الإيراني أو المؤسسات الخاضعة للعقوبات، بل المنظومة الدولية التي تسمح لطهران بتحويل تجارتها إلى أموال. وبهذا تضع إدارة ترامب إيران وشركاءها أمام معادلة أكثر صرامة: إما تقليص التعاملات مع طهران، أو مواجهة خطر العقوبات الأمريكية.














