▪︎ مجلس نيوز
.
يجسّد التراث العمراني في منطقة الجوف أحد أقدم شواهد الاستيطان البشري في الجزيرة العربية، ممتدًا من العصور الحجرية حتى العصر الإسلامي، عبر مواقع بارزة مثل الشويحطية وحي الدرع وقلعة مارد ومسجد عمر بن الخطاب، وسط جهود من وزارة الثقافة وهيئة التراث لصون مبانيه التاريخية وتعزيز مكانتها الثقافية.
يُجسّد التراث العمراني في منطقة الجوف أحد أبرز الشواهد الحضارية في المملكة العربية السعودية، بما يعكسه من تطور معماري ارتبط بقدرة الإنسان على توظيف موارد البيئة المحلية، وصياغة هوية عمرانية متفردة امتدت عبر آلاف السنين؛ لتبقى مبانيها التاريخية شاهدةً على تعاقب الحضارات واستمرار الاستيطان البشري في المنطقة.
وتُعدّ الجوف من أقدم مناطق الاستيطان البشري في الجزيرة العربية، إذ كشفت المواقع الأثرية — وفي مقدمتها موقع الشويحطية — عن دلائل تعود إلى العصور الحجرية، تؤكد استخدام الإنسان المبكر للصخور المحلية في صناعة الأدوات. وبمرور الزمن وتطور الحضارات، شهدت المنطقة تطوراً عمرانياً تجلّى في حي الدرع بمدينة دومة الجندل، الذي يُعدّ نموذجاً فريداً لفنون البناء بالحجر المنحوت، فضلاً عن إسهام موقعها الجغرافي في اتصالها بالحضارات المجاورة.
ومع بزوغ فجر الإسلام، شهدت الجوف مرحلة عمرانية جديدة تمثّلت في تشييد المساجد، ويبرز في هذا السياق مسجد عمر بن الخطاب بدومة الجندل بمئذنته الحجرية ذات التصميم الهرمي، التي تُعدّ من أقدم المآذن الإسلامية. كما برزت العمارة الدفاعية من خلال القلاع والحصون التي شكّلت عنصراً رئيساً في المشهد العمراني للمنطقة.
وتعتمد العمارة التقليدية في الجوف بصورة رئيسة على المواد الطبيعية المتوافرة في البيئة المحلية، إذ شكّل الحجر واللبن أساس البناء؛ فاستُخدم حجر الجندل المعروف بصلابته في تشييد أساسات المباني والقلاع والمنشآت الكبرى، ومن أبرزها قلعة مارد، فيما استُخدم اللبن المصنوع من الطين والتبن في بناء الجدران والطوابق العلوية لما يوفره من عزل حراري يتناسب مع طبيعة المناخ. وسُقّفت المنازل بجذوع الأثل وسعف النخيل المتوافر في واحات الجوف.
وأسهمت البيئة الطبيعية في تشكيل الهوية العمرانية للمنطقة؛ إذ وفّرت التربة الرسوبية والطمي المواد اللازمة لصناعة اللبن، فيما انعكست القيم الاجتماعية على تصميم المساكن، فخُصّصت المجالس — ومنها «المشبات» — لاستقبال الضيوف بعيداً عن مرافق الأسرة الخاصة. كما تقاربت المباني وتلاصقت لتكوين أزقة ضيقة تعزز الترابط الاجتماعي وتوفر الحماية من العوامل المناخية.
وأسهم موقع الجوف، بوصفه بوابة شمالية للجزيرة العربية ومحطة رئيسة على طرق التجارة القديمة، في تأثر عمارتها ببعض الأنماط المعمارية القادمة من بلاد الشام وبلاد الرافدين، وهو ما يظهر في الزخارف الهندسية والنوافذ العلوية الصغيرة التي ميّزت عدداً من مبانيها التاريخية.
وتتميز المساكن التقليدية في الجوف بتصميمها الذي يراعي احتياجات السكان والظروف المناخية، إذ تتكون غالباً من طابقين؛ يضم الطابق الأرضي المخازن والمجلس الرئيس، بينما يحتوي الطابق العلوي على غرف المعيشة والنوم المطلة على فناء داخلي يسهم في تهوية المنزل وتوفير الإضاءة الطبيعية، إلى جانب النوافذ الصغيرة التي تحدّ من تسرب الحرارة صيفاً والبرودة شتاءً.
ويحظى التراث العمراني في منطقة الجوف باهتمام متواصل من وزارة الثقافة ممثلةً في هيئة التراث، من خلال تنفيذ برامج ومبادرات تعنى بالمحافظة على المباني والمواقع التراثية وحمايتها، بما يسهم في تعزيز مكانة المنطقة وجهةً ثقافية بارزة، ويُبرز ما تزخر به من إرث حضاري يعكس عمق تاريخ المملكة وتنوعها الثقافي.













