▪︎ مجلس نيوز
.
المقال يسلّط الضوء على أن الموارد البشرية ليست مجرد إدارة أنظمة ولوائح وحضور وغياب، بل جوهرها التعامل مع الموظف كإنسان يحمل همومًا وظروفًا لا تظهر في ملفات الأداء والرواتب.
يدعو الكاتب إلى تطبيق الأنظمة بحزم دون قسوة، ومحاسبة الموظف مع حفظ كرامته واحترام مشاعره، وإعطائه فرصة لسماع صوته وفهم ظروفه…
ذاك الإنسان الذي حين يحلّ، يشعّ أثره في العمل، وحين يغيب، يشعر المكان أن شيئًا من روحه قد غاب ، ذاك الذي يأتي كل صباح وفي داخله ما لا يعرفه أحد، يحمل همومه خلف ابتسامته، ويضع ألمه جانبًا، ثم يبدأ يومه وكأن شيئًا لم يكن ، يعمل، وينجز، ويتعامل بلطف، وربما يساعد غيره، بينما هو في داخله يخوض معركة لا يراها أحد.
في بيئة العمل، كثيرًا ما نرى الموظف من خلال أدائه، حضوره، إنجازه، التزامه، وأرقامه، وننسى أحيانًا أن خلف كل ذلك إنسانًا ، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للموارد البشرية.
فالموارد البشرية ليست إدارة للدوام والانصراف، ولا مسيرات رواتب، ولا عقودًا وإجازات وإنذارات فحسب؛ إنها في جوهرها إدارة تتعامل مع الإنسان في أكثر الأماكن التي يقضي فيها الإنسان جزءًا كبيرًا من عمره: مكان عمله ، ولهذا فإن إنسانية الموارد البشرية لا تعني أن نتجاوز الأنظمة، أو أن نغض الطرف عن الأخطاء، أو أن تتحول الإدارة إلى مساحة للمجاملات؛ بل تعني أن نطبّق النظام ونحن نتذكر أن من يقف أمامنا إنسان قبل أن يكون موظفًا.
قد نحتاج إلى أن نحاسبه، لكن دون أن نهينه ، وقد نحتاج إلى أن نرفض طلبه، لكن دون أن نكسر خاطره ، وقد نحتاج إلى أن نصحح سلوكه، لكن دون أن نجعله يشعر أن قيمته اختُزلت في خطئه ، وهذا هو جوهر المنهج النبوي في التعامل مع الإنسان؛ فقد قال النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه».
فالرفق في الموارد البشرية ليس ضعفًا إداريًا، كما أن الحزم ليس قسوة ، إنما الاحتراف الحقيقي أن تعرف متى تكون حازمًا، وكيف تكون حازمًا دون أن تفقد إنسانيتك.
فكم من موظف وصل إلى الموارد البشرية وهو لا يحتاج إلى قرار بقدر حاجته إلى أن يجد من يسمعه ، وكم من موظف انخفض أداؤه، فكان أول ما احتاجه سؤالًا صادقًا: «هل أنت بخير؟» قبل أن يكون السؤال: «لماذا انخفض أداؤك؟».
وكم من موظف تأخر، أو أخطأ، أو تغيّر، أو أصبح أقل حضورًا وتفاعلًا، بينما خلف ذلك ربما ظرف عائلي، أو فقد، أو ضغوط نفسية، أو أزمة شخصية لم يجد لها مكانًا آمنًا في الحديث وهنا لا يعني التعاطف أن نبحث عن الأعذار لكل شيء، وإنما يعني أن نفهم الصورة كاملة قبل أن نصدر الحكم ، فالموظف ليس رقمًا في كشف الرواتب، وليس اسمًا في نظام الحضور والانصراف، وليس ملفًا في أرشيف الموارد البشرية ، إنه إنسان له قصة لا تظهر في النظام، وله مشاعر لا تُقاس بمؤشرات الأداء، وله أيام يكون فيها قويًا، وأيام أخرى بالكاد يستطيع أن يكملها.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه الموارد البشرية للموظف هو أن يشعر أن كرامته محفوظة حتى عندما يُحاسب، وأن حقه محفوظ حتى عندما يختلف، وأن صوته مسموع حتى عندما لا يكون القرار في صالحه ، إنسانية الموارد البشرية تظهر في التفاصيل الصغيرة؛ في الطريقة التي نكتب بها رسالة إنذار، وفي نبرة الحديث داخل الاجتماع، وفي حفظ خصوصية الموظف، وفي عدم التشهير بخطئه، وفي إعطائه فرصة لشرح موقفه، وفي أن نُشعره بأن تصحيح الخطأ لا يعني إسقاط الإنسان.
وهذا ما يجعل الموارد البشرية مختلفة عن أي وظيفة إدارية أخرى؛ لأننا لا ندير ملفات فقط، بل نتعامل مع مشاعر، وثقة، وكرامة، وانتماء ، ولذلك، حين أتأمل الموظفين الذين مروا بي في العمل، أجد أن بعض أكثرهم أثرًا ليسوا بالضرورة أولئك الذين لم يخطئوا، بل أولئك الذين تألموا ولم يؤذوا، وتعبوا ولم يتخلوا عن مسؤولياتهم، وانكسروا قليلًا ثم عادوا ليقدموا أفضل ما لديهم.
هؤلاء يشبهون «كسرة عود»؛ قد تنحني بهم الأيام، وقد تترك فيهم أثرًا لا يراه أحد، لكنهم يستمرون في العطاء ، والسؤال الذي يجب أن نسأله في الموارد البشرية ليس دائمًا: كيف نحافظ على أداء الموظف؟ بل أحيانًا: كيف نحافظ على الإنسان الذي يقف خلف هذا الأداء؟
لأن الموظف الذي يشعر بالأمان والاحترام والإنصاف، لا يعمل فقط لأنه مطالب بالعمل؛ بل يعمل لأنه يشعر أنه جزء من مكان يحفظ له إنسانيته ، وفي المقابل، فإن المؤسسة التي تتعامل مع موظفيها باعتبارهم موارد قابلة للاستبدال، قد تستطيع أن تستمر في تشغيل أنظمتها، لكنها لن تستطيع بسهولة أن تبني ولاءً حقيقيًا، وانتماءً صادقًا، وثقافة إنسانية.
إننا في الموارد البشرية نملك فرصة لا تمنح لكثير من الإدارات؛ فنحن نلتقي بالموظف في لحظات مختلفة من حياته المهنية، في التعيين، والتقييم، والترقية، والتحدي، والخطأ، والمرض، والغياب، والإنجاز، وأحيانًا في أصعب لحظاته ، وفي كل لحظة من هذه اللحظات يمكن أن نكون سببًا في أن يخرج الإنسان من عندنا أقوى… أو أكثر انكسارًا.
لذلك، لست أؤمن أن نجاح الموارد البشرية يُقاس فقط بعدد المعاملات المنجزة، أو سرعة إغلاق الطلبات، أو دقة الإجراءات؛ بل أؤمن أن جزءًا من نجاحها يُقاس بعدد الأشخاص الذين خرجوا من أبوابها وهم يشعرون أنهم مسموعون، ومحترمون، وعادلون في المعاملة، ومحفوظو الكرامة.
ففي النهاية، نحن لا نتعامل مع «موارد» بالمعنى الجامد للكلمة، بل مع بشر يحملون أرواحًا ، وربما يكون أجمل أثر يمكن أن يتركه أخصائي أو مدير موارد بشرية في مسيرته المهنية، أن يلتفت بعد سنوات إلى موظف مرّ به في لحظة صعبة، فيسمعه يقول:
«كنت متعبًا يومها، لكن طريقتكم في التعامل معي جعلتني أستعيد قدرتي على الاستمرار.»
وهنا نفهم معنى الموارد البشرية الحقيقي ، أن نطبّق النظام دون أن نفقد الرحمة، وأن نحفظ الحقوق دون أن نجرح الكرامة، وأن نمارس الحزم دون قسوة، وأن نمنح الإنسان فرصة لأن يُرى كما هو، لا كما يبدو في ملفه الوظيفي ، فكل موظف تألم، وكل إنسان انوجع، وكل قلب حمل أمرًا مريرًا ثم حضر إلى عمله في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يكن… يستحق أن نتذكر أنه إنسان قبل أن يكون موظفًا.
وربما تكون «كسرة العود» التي لا نراها في الآخرين هي أكثر ما يحتاج منا إلى الرفق ، لأن الإنسان قد ينحني من شدة ما مرّ به، لكنه إذا وجد يدًا رحيمة لا تزيد كسره، فقد يستقيم من جديد ، وهنا تكون الموارد البشرية إنسانية حقًا؛ حين لا تكتفي بإدارة الموظف، بل تحافظ على الإنسان.













