▪︎ مجلس نيوز
.
تحوّل المصور البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا، الذي رحل مؤخرًا بعد أكثر من ٤ عقود في السعودية، إلى شاهد بصري على مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة، موثقًا تحوّلات العمران التقليدي وحياة البادية وتغيّر المكان والإنسان تحت تأثير التحديث. قدّم عبر أعماله وكتبه، مثل «نجد» و«بدو» و«هجر»، وأبحاثه الميدانية وتعاون…
لم يكن البرازيلي هومبرتو دا سيلفيرا مجرد مصور أجنبي مرّ على السعودية والتقط صورًا لافتة، بل تحوّل مع مرور السنوات إلى شاهد بصري على مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة؛ مرحلة كانت فيها ملامح العمران التقليدي، وحياة البادية، وتفاصيل المكان والإنسان، تتغير بوتيرة متسارعة تحت تأثير التحديث والتوسع العمراني.
رحل دا سيلفيرا قبل أيام، لكن صوره بقيت حاضرة في المكان الذي اختاره موطنًا له لأكثر من أربعة عقود، وجاب أرجاءه بعدسته باحثًا عن التفاصيل التي قد لا تلتفت إليها الكاميرا العادية.
مشروعه البصري في السعودية
كانت علاقته بالسعودية نقطة التحول الأهم في مسيرته. ففي عام 1985، دُعي إلى الرياض للمشاركة في افتتاح معرض الفن الإسلامي التابع لمؤسسة الملك فيصل، وهناك وجد مشروعه الحقيقي: تحويل الكاميرا إلى أداة لحفظ التاريخ البصري، وبعدها بدأ أبحاثًا ميدانية وأثرية وإثنوغرافية واسعة في السعودية والشرق الأوسط.

ومن أبرز ثمار تلك الرحلة كتابه «نجد»، الذي ضم 148 صورة رصدت العمارة التقليدية في المنطقة، من جذورها القديمة إلى نماذجها في القرن التاسع عشر، في وقت كانت كثير من هذه المباني تقترب من نهاية وظيفتها الأصلية.
ولم يكن دا سيلفيرا يصور الجدران والحصون والقرى بوصفها مباني فقط؛ بل كان يرى فيها علاقة متبادلة بين سكان نجد المستقرين والبدو الرحّل.

ثم جاء «بدو» ليكمل الحكاية من زاوية الإنسان، موثقًا حياة آخر أجيال البدو الذين حافظوا على نمط معيشي امتد لقرون طويلة قبل أن تبدأ الحداثة في إعادة تشكيله. وقد عُرضت أعماله في مؤسسات دولية بارزة، كما استضافها المتحف الوطني في الرياض عام 2002.
وتتسع قيمة أرشيفه السعودي أكثر مع مشروعاته اللاحقة، ومنها «هجر»، وأعماله مع مؤسسة التراث غير الربحية في توثيق سِيَر ملوك المملكة، ومن بينهم الملك عبدالعزيز والملك سعود والملك فيصل، إلى جانب مشروعات تعاون فيها مع مكتبة الملك عبدالعزيز العامة.

ولعل أجمل ما في إرث دا سيلفيرا أن صوره لم تكن تبحث عن السعودية «الغريبة» في عين المصور الأجنبي، بل عن السعودية التي تعيش تفاصيلها في الأرض والوجوه والبيوت والطرق والصحراء؛ ولذلك، فإن الصور التي تركها خلفه لا تبدو اليوم مجرد لقطات قديمة؛ إنها وثائق حية لبلد تغيّر كثيرًا، لكنها احتفظت في عدسته بما كان يمكن أن يختفي إلى الأبد.

















