▪︎ مجلس نيوز
.
حوّل الشاب المصري الكفيف مارك مراد تجربته مع فقدان البصر إلى ابتكار تقني عالمي، عبر تطوير تطبيق “سكرايب مي” المدعوم بالذكاء الاصطناعي، الذي يقدّم وصفاً صوتياً فورياً لما تلتقطه كاميرا الهاتف أو نظارات ميتا الذكية، ويستخدمه آلاف المكفوفين في نحو 140 دولة لتعزيز استقلاليتهم اليومية.
حوّل الشاب المصري الكفيف مارك مراد تجربة فقدان البصر القاسية إلى دافع للابتكار، بعدما طوّر تطبيقاً ذكياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي يحمل اسم «سكرايب مي»، يساعد المكفوفين وضعاف البصر على «رؤية» ما يحيط بهم عبر وصف صوتي فوري، لينتشر لاحقاً في نحو 140 دولة حول العالم.
وتجسّد شقيقته كارين، البالغة من العمر 16 عاماً، ثمرة هذا المشروع. فبعدما فقدت بصرها قبل خمس سنوات، استطاعت خلال رحلة إلى كينيا في يونيو الماضي أن تستعيد جزءاً من إحساسها برؤية العالم، عندما استخدمت التطبيق المدمج في نظارات ذكية من شركة ميتا خلال رحلة سفاري، حيث قدّم لها وصفاً صوتياً متواصلاً للحيوانات من حولها، والمسافات التي تفصلها عنها وما تقوم به.
وقالت كارين واصفة تجربتها: «في وقتها حسيت إنها كانت حاجة مستحيل تحصل، لكن حسيت… أنا شايفة بجد». وأوضحت أنها باتت تعتمد على التطبيق في حياتها اليومية، من العثور على فصلها الدراسي والتعرف على المتاجر، إلى اختيار ملابسها والمساعدة في الدراسة.
ويستخدم تطبيق «سكرايب مي»، المصمم خصيصاً للمكفوفين، آلاف الأشخاص في نحو 140 دولة، ويتوفر على الهواتف التي تعمل بنظامي آيفون وأندرويد، إلى جانب نظارات ميتا الذكية. كما يدعم نحو 20 لغة، من بينها اللغة العربية.
رحلة فقدان البصر
بدأت قصة التطبيق مع تجربة شخصية لمارك مراد، البالغ من العمر 20 عاماً. فقد بدأ يعاني مشكلات في الرؤية عام 2018، لكن الفحوص الطبية داخل مصر وخارجها لم تقدّم تشخيصاً قاطعاً، واكتفت بالإشارة إلى احتمال فقدانه البصر بسبب حالة نادرة ومستعصية في العصب البصري.
وبحلول نهاية عام 2021، كان الشقيقان قد فقدا بصرهما بالكامل؛ إذ تدهورت حالة كارين خلال ستة أشهر، بينما استغرق فقدان مارك بصره نحو ثلاث سنوات، ما وضع الأسرة أمام صدمة كبيرة وتحديات يومية، خصوصاً في مجال التعليم.
وأوضح مارك في تصريحات سابقة أن رحلته مع فقدان البصر بدأت عندما كان في الحادية عشرة من عمره، وظل يتابع مع الأطباء داخل مصر وخارجها إلى أن أُبلغ بأن فقدان البصر أمر حتمي، وهو ما حدث فعلاً عندما كان في الصف الأول الثانوي. بعد ذلك أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على الآخرين في المذاكرة، خصوصاً في المواد التي تعتمد على الرسومات والمخططات.

من معاناة دراسية إلى فكرة تقنية
واجه مارك صعوبات كبيرة في دراسة الفيزياء والكيمياء، إذ كانت تطبيقات قراءة الشاشة التي يعتمد عليها تتعثر في وصف الرسوم البيانية والجداول والمعادلات، ولا تتيح له فهماً كاملاً للمحتوى البصري. حاول التواصل مع مطورين في الخارج لمساعدته لكنه لم يتلقَّ استجابة، فقرر تعلم البرمجة بنفسه من خلال دروس تعليمية على منصة يوتيوب.
وبحلول عام 2023، كان قد طوّر نسخة جاهزة من تطبيق «سكرايب مي»، بدأت في الأساس كأداة لقراءة المستندات وفهم المحتوى النصي، ثم تطورت إلى منصة أوسع تتيح للمستخدم توجيه أسئلة في الوقت الفعلي عمّا تلتقطه كاميرا الهاتف والحصول على وصف صوتي فوري.
ومع مرور الوقت، لم يعد المشروع مجرد فكرة فردية؛ إذ شارك مارك في عدد من مسابقات التكنولوجيا والفعاليات في أوروبا، بينها مسابقة في ألمانيا تمكّن خلالها فريقه من الوصول إلى قائمة أفضل 5 فرق من بين 150 فريقاً. كما فاز في هاكاثون لتقنيات الذكاء الاصطناعي والأدوات المساعدة في عام 2024، ما ساعده على جذب شريك مؤسس والعمل على توسيع نطاق التطبيق.
وفي خطوة لاحقة، أسس مارك وشركاؤه شركة في إسبانيا لتطوير «سكرايب مي» وتوسيع انتشاره، حتى بات مستخدموه موجودين في 140 دولة حول العالم.

«عين» بالذكاء الاصطناعي
يعتمد تطبيق «سكرايب مي» على تحليل ما تلتقطه كاميرا الهاتف وتحويله إلى وصف صوتي يمكن أن يفهمه الشخص الكفيف أو ضعيف البصر. ولا يقتصر الأمر على وصف الأشياء بصورة عامة، بل يشمل النصوص والصور والرسومات والمخططات البيانية والتفاصيل الموجودة في المكان، بما يمنح المستخدم قدرة أكبر على فهم ما أمامه دون الحاجة في كل مرة إلى طلب مساعدة شخص آخر.
ومع استمرار تطوير الفكرة، جرى دمج التطبيق في نظارات ميتا الذكية، لتتحول النظارة إلى ما يشبه عيناً إضافية للمستخدم، تقدّم له وصفاً صوتياً متواصلاً لما تلتقطه الكاميرا أمامه، سواء أكان أشخاصاً أو أماكن أو أشياء أو تفاصيل محيطة، بما يساعده على التعامل مع العالم من حوله بصورة أكثر استقلالية، مع إبقاء يديه حرتين لاستخدام العصا أو أداء مهام أخرى.

شقيقة تختبر التطبيق ورسالة أمل
لم تكن كارين مجرد مستخدمة للتطبيق، بل لعبت دوراً محورياً في اختباره وتطويره، بعدما فقدت هي الأخرى بصرها. فقد ساعدت تجربتها اليومية مارك وفريقه على فهم الاحتياجات الفعلية للمكفوفين، سواء في الدراسة أو الحركة أو التفاعل مع البيئة المحيطة.
ويستذكر مارك إحدى اللحظات الفارقة عندما استخدمت شقيقته التطبيق خلال رحلة سفاري، وبدأ «سكرايب مي» في وصف المشاهد والتفاصيل الموجودة أمامها، قبل أن تقول له جملة تركت أثراً كبيراً فيه: «شعرت إن عاد لي البصر من تاني». ويرى أن هذه العبارة تحوّلت إلى دافع للاستمرار، بعدما شعر أن ما بدأه بسبب معاناته الشخصية لم يعد يخصه وحده، بل صار وسيلة لمساعدة آخرين على استعادة جزء من استقلاليتهم وثقتهم بأنفسهم.
من جانبه، عبّر والد مارك، مراد صدقي، عن تحوّل نظرة الأسرة إلى المستقبل قائلاً: «لو حد قعد معي من أربع سنين يقول لي ابني وبنتي هيبقوا في اللي هما فيه النهاردة كان ممكن أضحك وأمشي، ما صدقتش.. الأحلام بتكبر وهما بيكبروا، إحنا نفسنا كأسرة بطلنا نقول مستحيل».

نموذج عمل وخيارات اشتراك
يتوفر تطبيق «سكرايب مي» مجاناً للمستخدمين، مع مزايا إضافية مدفوعة عبر اشتراك يبلغ 20 دولاراً شهرياً أو 200 دولار سنوياً، ما يتيح الوصول إلى قدرات أوسع داخل التطبيق، إلى جانب دعم مستمر للتطوير وتحسين الخدمات المقدمة للمكفوفين حول العالم.
وبين معاناة شخصية وتجربة تقنية رائدة، يقدّم مشروع مارك مراد نموذجاً لكيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول إلى «عين» إضافية للمكفوفين، ويمنحهم وسيلة أكثر استقلالية للتفاعل مع تفاصيل الحياة اليومية في مختلف دول العالم.














