▪︎ مجلس نيوز
.
تُبرز المقالة كيف تسهم ملايين الأشجار في مرتفعات عسير والباحة وجازان ونجران في تلطيف المناخ المحلي خلال الصيف، لتعمل كـ”مكيفات طبيعية” عبر الظل والنتح وتبخر المياه، فتجعل من هذه المناطق مصايف مميزة مقارنة ببقية المملكة. وتستعرض دور الغابات الجبلية وغابات الأودية والمانجروف في خفض الإحساس بالحرارة، إ…
بينما ترتفع درجات الحرارة خلال الصيف في مناطق واسعة من المملكة، تبدو مرتفعات جنوب السعودية وكأنها تعيش فصلًا مختلفًا؛ غابات ممتدة، وأشجار معمرة، وضباب يلامس قمم الجبال، ومساحات خضراء تمنح المصطافين الظل والهواء اللطيف، وتجعل من عسير والباحة وجازان ونجران من أبرز وجهات السياحة الصيفية المحلية.
ورغم أن ارتفاع جبال السروات والأمطار والسحب وطبيعة التضاريس تمثل العوامل الرئيسية وراء اعتدال أجواء كثير من مدن الجنوب، فإن ملايين الأشجار والنباتات المنتشرة على الجبال والأودية تلعب دورًا إضافيًا ومهمًا في صناعة المناخ المحلي وتحسين الإحساس بدرجة الحرارة، حتى يمكن وصفها بـ**«المكيفات الطبيعية»** للمتنزهات والمصايف.
ويؤكد المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر أن الغابات الجبلية السعودية تتركز في جنوب وجنوب غرب المملكة، وتمتد على جبال الحجاز والسروات من الطائف حتى جازان، ومن أشهر مكوناتها العرعر والعتم والأكاسيات، فيما تنتشر في غابات الأودية أشجار الأكاسيا والسدر.
العرعر.. ملك جبال عسير
وتقف أشجار العرعر في مقدمة المشهد النباتي في مرتفعات عسير، خصوصًا السودة وتنومة والنماص وأجزاء واسعة من السروات، إلى جانب أشجار العتم، المعروفة بالزيتون البري، والطلح والسدر والسمر والسرح والشث.
والعرعر ليس مجرد شجرة تمنح المكان لونه الأخضر؛ بل يشكل غطاءً كثيفًا فوق مساحات من الجبال، ويمنح المتنزهات مساحات طبيعية مظللة، لذلك أصبحت غابات العرعر جزءًا من الهوية السياحية لمرتفعات عسير.
وتكشف أهمية هذه الغابات أيضًا مشروعات إعادة تأهيل ينفذها المركز الوطني للغطاء النباتي في عسير، ومن بينها إعادة تأهيل غابات جبل غلامة في تنومة وغابات جبل قرية آل مفرح في السودة، إضافة إلى مشروع لإعادة تأهيل الغابات المتضررة في منتزه الجرة–المسقى تضمن زراعة 164 ألف شجرة.
الباحة.. غابات تصنع هوية المصيف
وفي الباحة يتكرر المشهد مع غابات العرعر والعتم إلى جانب السدر والطلح والسمر وغيرها من النباتات المحلية، لتتحول غابات محافظات مثل المندق وبلجرشي والقرى إلى عنصر رئيسي في المنتج السياحي للمنطقة.
وتشير دراسة إرشادية منشورة ضمن مشروع «دراسات المملكة الخضراء وخطة العمل التنفيذية للتشجير» إلى أن الكثافة الشجرية في المواقع التي شملتها الدراسة بمنطقة الباحة تراوحت بين نحو 14.5 و75.2 شجرة لكل دونم، وهو ما يعطي تصورًا عن كثافة بعض البيئات الغابية بالمنطقة.
وتنعكس هذه الكثافة بصورة مباشرة على تجربة المصطاف، حيث تتحول الأشجار إلى مظلات طبيعية فوق مواقع التنزه ومسارات المشي، وتقلل تعرض الإنسان المباشر لأشعة الشمس.

جازان.. من الأشجار الجبلية إلى المانجروف
أما جازان فتتميز بتنوع مختلف؛ فبيئتها تمتد من قمم الجبال إلى السهول والساحل والجزر، ولذلك تجمع بين السدر والطلح والسمر والأراك وغيرها من النباتات البرية، وبين غابات المانجروف على الساحل.
وتحظى أشجار المانجروف بأهمية خاصة؛ لأنها لا تمنح الساحل منظرًا طبيعيًا فحسب، بل تعد نظامًا بيئيًا غنيًا ووسيلة طبيعية لتخزين الكربون. ويجري المركز الوطني للغطاء النباتي دراسات لتحديد قدرة أشجار المانجروف في جازان وعسير على تخزين الكربون، كما يشير إلى قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون ودورها في التعامل مع آثار التغير المناخي.
نجران.. السدر والسمر والطلح
وتقدم نجران نموذجًا آخر للغطاء النباتي الجنوبي، تبرز فيه أشجار السدر والسمر والطلح وغيرها من الأنواع المتكيفة مع الأودية والبيئات الجافة وشبه الجافة.
وتحمل تلك الأشجار قيمة بيئية واقتصادية؛ إذ ترتبط الطلحيات والسدر والسمر ببيئة المناحل وإنتاج أنواع شهيرة من العسل، فيما يؤكد مركز الغطاء النباتي أهمية المناحل في تلقيح النباتات البرية والمساهمة في زيادة التنوع الحيوي وتنمية الغطاء النباتي.

كم تخفض الأشجار الحرارة؟
الدراسات العلمية العالمية تؤكد أن الأشجار تبرد البيئة المحيطة بطريقتين رئيسيتين: حجب الإشعاع الشمسي بالظل، وعملية النتح والتبخر من الأوراق. وأظهرت دراسة منشورة في Scientific Reports أن الظل الشجري ارتبط في المواقع التي درستها بانخفاض متوسط يقارب 3 درجات مئوية، مع اختلاف النتائج حسب المنطقة ونوع الشجرة والظروف المناخية.
وتشير دراسات أخرى إلى أن تأثير الأشجار على درجة حرارة الهواء المحلية قد يصل في ظروف محددة إلى عدة درجات، فيما يكون الانخفاض في حرارة الأسطح المعرضة للشمس أكبر بكثير. لكن لا يصح نقل هذه الأرقام مباشرة إلى عسير أو الباحة أو جازان ونجران دون قياسات محلية ميدانية.
لماذا يشعر المصطاف بالفرق؟
السر لا يتعلق بميزان الحرارة وحده.
فالإنسان الذي يجلس تحت شجرة كثيفة لا يتعرض للإشعاع الشمسي المباشر بنفس القوة التي يتعرض لها شخص يقف على أرض مكشوفة، ولذلك يمكن أن يكون الإحساس الحراري أكثر راحة بصورة واضحة حتى عندما تكون درجة حرارة الهواء متقاربة.
كما توفر الغابات بيئة مناسبة للمشي والتخييم والنزهات العائلية، وهو ما دفع المركز الوطني للغطاء النباتي إلى التأكيد على تطوير بيئات خضراء جاذبة للزوار ومناسبة للتخييم والكرفانات باعتبارها جزءًا من الاستفادة السياحية المستدامة من الطبيعة.














