▪︎ مجلس نيوز
.
يشهد جيل زد تحولًا ثقافيًا مع تزايد الإقبال على الهواتف التقليدية ضمن موجة «الانفصال الرقمي» وتقليل وقت الشاشة، مدفوعًا بالقلق من اقتصاد الانتباه وإدمان وسائل التواصل. تقارير سوقية تتوقع نمو سوق الهواتف البسيطة إلى 49.66 مليار دولار بحلول 2030، مدعومًا بثقافة «نيوترو» وإحياء تقنيات الماضي.
وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «Pew Research» عام 2024، قال نحو نصف المراهقين إنهم متصلون بالإنترنت «على الدوام تقريباً»، في مؤشر على عمق الارتباط الرقمي الذي بات يُقلق شريحة واسعة من الشباب أنفسهم.
وعلى غرار جيل زد، سيكبر جيل ألفا داخل عالم رقمي بالكامل، في حين عرف معظم جيل الألفية جزءاً من طفولته بعيداً عن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. غير أن تحولاً ثقافياً بدأ يلوح في الأفق، مع ابتعاد أعداد متزايدة من أفراد جيل زد عن منصات التواصل الاجتماعي، والمساهمة في نشر توجه يدعو إلى استعادة وقت حقيقي بعيداً عن الإنترنت.
«الانفصال الرقمي».. ظاهرة في تصاعد
أصبح جيل زد أكثر إدراكاً لأن الوقت الطويل أمام الشاشات يمثل مشكلة حقيقية، ما عزّز ظاهرة «الانفصال الرقمي» (Digital Detox)، حيث يسعى الأشخاص إلى قضاء وقت أطول بعيداً عن الإنترنت، بدلاً من الوقوع في دوامة التمرير اللانهائي التي باتت سمة أساسية لعصر الهواتف الذكية.
وتلعب «الهواتف الغبية» (Dumb Phones)، أو الهواتف التقليدية البسيطة، دوراً محورياً في هذا التوجه. ورغم أن سوقها لا يزال محدوداً، فإنه مرشح للنمو بشكل ملحوظ؛ إذ يتوقع تقرير صادر عن «Research and Markets» أن ينمو هذا السوق من 39.11 مليار دولار في 2025 إلى 49.66 مليار دولار بحلول 2030.
وسائل التواصل الاجتماعي تُعيد الناس إلى الهواتف البسيطة
من المفارقات أن منصات التواصل الاجتماعي نفسها أسهمت في إشعال الاهتمام بالهواتف الأبسط، مع انتشار حملات مثل عريضة «أعيدوا بلاك بيري» (Bring Back Blackberry)، ووسم #bringbackflipphones على «تيك توك».
وكشفت شركة «Light»، المطورة لهاتف «Light Phone»، لشبكة «CNN» أن عدد مستخدمي أجيال هواتفها الثلاثة تجاوز 100 ألف مستخدم. كما أفادت شركة «Punkt» السويسرية المتخصصة في الهواتف البسيطة بأنها تبيع نحو 50 ألف هاتف سنوياً. أما شركة «HMD»، المالكة لترخيص علامة «نوكيا»، فقد أعادت إلى الأسواق هاتف «Nokia 3210» الشهير من حقبة الألفية الجديدة، مشيرةً إلى أن مبيعات هواتفها القابلة للطي تضاعفت بين عامي 2022 و2023.
ثقافة «نيوترو».. الحنين إلى الماضي في عصر اقتصاد الانتباه
يمثل اهتمام جيل زد بالهواتف التقليدية جزءاً من موجة أوسع لإحياء التكنولوجيا القديمة، تقودها فئة نشأت أصلاً في العصر الرقمي. ويظهر ذلك في عودة الهواتف القابلة للطي بتصميمات مستوحاة من حقبة Y2K، فضلاً عن شراء أجهزة «آيبود» قديمة، واستخدام سماعات الرأس السلكية، وإحياء أسطوانات الفينيل وأشرطة الكاسيت وأجهزة «Sony Walkman»، وتجدد الاهتمام بالتصوير الفوتوغرافي بالأفلام وعلامات مثل «كوداك» و«بولارويد».
وتندرج هذه الظواهر ضمن اتجاه ثقافي يُعرف بـ«نيوترو» (Newtro)، نشأ في كوريا الجنوبية قبل أن ينتشر غرباً، وبات بمثابة ثقافة مضادة للواقع الرقمي السائد.
ليست مجرد موضة.. بل استعادة للسيطرة
خلف هذا التوجه أسباب تتجاوز البحث عن أسلوب حياة مختلف؛ إذ يتعلق الأمر بمحاولة استعادة القدرة على استخدام التكنولوجيا بوعي، في عصر أصبح فيه الانتباه سلعة اقتصادية. فجيل زد لا يحنّ إلى ماضٍ لم يعشه، بل يسعى إلى التحرر من خوارزميات تحدد المحتوى، ومنصات تحقق أرباحها من جذب الانتباه والتفاعل.
ولا يقتصر هذا التوجه على الشباب، فثمة آباء يشعرون بالقلق إزاء تعرض أطفالهم للهواتف الذكية، في ظل تزايد الأدلة على أن منصات التواصل الاجتماعي مصممة لتشجيع الاستخدام الإدماني المتكرر.
العصر الذهبي للإنترنت.. إلى أين؟
في عصر الذكاء الاصطناعي وتحول الإنترنت إلى تجربة شبيهة بوسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن العصر الذهبي للإنترنت أصبح جزءاً من الماضي. وربما كانت «غوغل» قد وجّهت ضربة أخيرة لهذا العصر حين أعلنت أكبر عملية إعادة تصميم لمحرك البحث في 25 عاماً، في إقرار ضمني بأن نموذج البحث التقليدي يتغير جذرياً بفعل الذكاء الاصطناعي.
والأجيال الأصغر تعيش نوعاً من «الحنين إلى شيء لم تعشه»، خصوصاً إلى أوائل الألفية الثالثة ونمط الحياة الرقمي البسيط الذي كان سائداً آنذاك. ومن هذا المنظور، تمنحهم العودة إلى التكنولوجيا التناظرية والهواتف التقليدية فرصة لتجربة الحياة بعيداً عن نمط «الاتصال الدائم» الذي نشأوا عليه.
وفي المحصلة، لا يبدو أن جيل زد يريد التخلي عن التكنولوجيا، بل يسعى إلى إعادة تعريف علاقته بها؛ بحيث تكون أداة يستخدمها بإرادته، لا نظاماً يتحكم في كيفية قضاء وقته ورؤيته للعالم.













