▪︎ مجلس نيوز
.
يستعرض المقال قيمة السلام باعتباره أكثر من مجرد كلمة افتتاحية، بل هو جزء من هوية الإنسان ووسيلته لبث الطمأنينة وبناء المحبة، مستندًا إلى التوجيه النبوي في إفشاء السلام. ويشير إلى أن السلام يتجاوز اللفظ ليكون شعورًا يُنقل بالكلمة والابتسامة والمصافحة ولغة الإشارة، منتقدًا تحوّل بعض الناس إلى السلام ا…
كم هو مدهش أن تبدأ الحياة بكلمة، وتبقى هذه الكلمة ترافق الإنسان حتى آخر لقاء.
ندخل بها البيوت، ونبدأ بها المجالس، ونستفتح بها أحاديثنا، ونختم بها دعاءنا. كلمةٌ رافقت الإنسان في تفاصيل حياته اليومية حتى أصبحت جزءًا من هويته، أكثر من كونها عادةً يتوارثها الناس.
واليوم، وبين أكثر من 7000 آلاف لغة حية يتحدث بها البشر، تختلف الألفاظ، وتتباين اللهجات، وتتنوع الثقافات، ويبقى المعنى الذي يجمع الناس واحدًا؛ أن يبدأ الإنسان لقاءه بالطمأنينة، وأن يشعر من أمامه بأنه جاءه بخير، واحترام، وسلام.
ويخبرنا المنهج النبوي الكريم، أن السلام طريقاً للمحبة، ويُستدل على ذلك الحديث النبوي الشريف قال ﷺ:
«والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم»
حديثٌ قصير…
لكنه يبني مجتمعًا كاملًا.
ولأن السلام شعور قبل أن يكون لفظًا، فهو يصل إلى الإنسان بأكثر من طريقة. قد يكون بكلمة، وقد يكون بابتسامة صادقة، أو مصافحة دافئة، أو نظرة تُشعر من أمامك أنه موضع ترحيب، أو بلغة الإشارة التي يتواصل بها كثير من أفراد المجتمع. فالسلام لا يحتاج دائمًا إلى صوت… يكفي أن يصل معناه.
ولهذا بقيت هذه القيمة حاضرة في مجتمعنا. نقول: “جيت أسلّم عليك”، أو “حبيت أمر أسلّم عليك”، وأحيانًا تختصرها عبارة: “دامك طيب”
كلها تختلف في اللفظ…
وتلتقي عند معنى واحد.
لكن…
مع تسارع الحياة، تغيّر شيء في طريقة سلامنا.
أصبح بعضنا يسلّم للمقام.
وبعضنا يسلّم للمكان.
وبعضنا يسلّم للمصلحة.
ويبقى أجمل السلام…
ذلك الذي لا ينتظر سببًا.
السلام الذي لا يتغير إذا تغيرت المناصب، ولا يبهت إذا غابت المصالح، ولا يزداد دفئًا لأن الاسم أكبر، أو المكانة أعلى.
فالسلام، في حقيقته، أول اختبار للأخلاق.
وكلما قرأت في علم التواصل، وعدت إلى مدارسه ونظرياته، خرجت بقناعة واحدة:
أقصر الطرق إلى الإنسان… يبدأ بالسلام.
قد تنسى الأسماء.
وقد تخطئ الذاكرة في المواقف.
لكنها تحتفظ طويلًا بالشعور.
ولهذا، يبقى السلام بداية العلاقة، قبل أن تكون الكلمات بداية الحديث.
وفي أحد المقاطع المتداولة، يقول معالي الدكتور عصام بن سعيد، وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء:
“لا أحد يصل إلى الذروة… وما تراه علوًا اليوم، قد يتبدل غدًا.”
توقفت طويلًا عند هذه العبارة.
لأنها لا تتحدث عن المناصب بقدر ما تتحدث عن الإنسان.
فالذي يدرك أن الأيام تتبدل، يبقى ثابتًا على أخلاقه.
ويبقى سلامه واحدًا…
مع الكبير، والصغير.
ومع من يعرف، ومن لا يعرف.
ومن هنا، أؤمن أن السلام يستحق أن يتحول من عادةٍ نمارسها إلى منهجٍ نعيش به.
أن تبادر به.
أن تمنحه وقته.
أن يشعر به من أمامك قبل أن يسمعه.
وأن يبقى كما هو…
لا يتغير بتغيّر الأشخاص، ولا بتبدّل الظروف.
أعرف أشخاصًا لا أذكر ماذا قالوا في أول لقاء.
لكنني أذكر كيف سلّموا.
وأعرف آخرين، كان أول ما بنى العلاقة معهم كلمة سلام، وما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
لذلك…
إذا أردت أن يسبقك اسمك، فليسبقك سلامك.
وإذا أردت أن تبقى في ذاكرة الناس، فلا تبدأ بالكلام…
ابدأ بالسلام.
لأن السلام، حين يصبح هوية…
يصبح الإنسان أجمل.










