▪︎ مجلس نيوز
.
يدعو المقال إلى فهم المعيشة باعتبارها قضية استقرار اجتماعي واقتصادي لا مجرد أرقام ومؤشرات، محذراً من أن انشغال كل طرف بمصلحته المنفردة في السوق قد يؤدي إلى إغلاق المحلات وضعف القوة الشرائية واضطراب الدورة الاقتصادية كاملة. ويؤكد الكاتب ضرورة إنشاء منصة وطنية للتوازن المعيشي ترصد الأسعار والإيجارات و…
يقول الناس: «كلٌّ يهفّ على قرصه».
وفي هذه العبارة الشعبية تختصر حكاية اقتصادية كاملة؛ فالمؤجر يريد عائده، والتاجر يريد ربحه، والمستهلك يريد قدرته على الشراء، والجهات المنظمة تريد سوقاً منضبطاً.
لكن الخوف أن ينشغل كل طرف بقرصه، حتى تحترق المائدة ولا يأكل أحد.
المعيشة ليست رقماً في جدول، ولا مؤشراً اقتصادياً عابراً؛ إنها الخبز على المائدة، والإيجار في نهاية الشهر، والفاتورة التي لا تنتظر، والراتب الذي تتراجع قدرته الشرائية كلما ارتفعت الأسعار.
وهنا يبدأ السؤال: أين الخلل؟
هل هو في جشع بعض التجار؟ أم في ارتفاع الإيجارات؟ أم في تكاليف التشغيل والغرامات؟ أم في ضعف القوة الشرائية؟ أم أن الخلل في غياب التوازن بين هذه الأطراف جميعاً؟
والحقيقة أن السوق لا يعيش على طرف واحد.
فالمؤجر إذا بالغ في الإيجار ؛ دفع التاجر إلى الإغلاق.
والتاجر إذا بالغ في السعر ؛ دفع المستهلك إلى العزوف.
والمستهلك إذا ضعفت قدرته على الشراء ؛ عاد الضرر إلى التاجر، ثم إلى المؤجر، ثم إلى السوق بأكمله.
أما الجهات المنظمة ؛ فدورها ليس أن تكون طرفاً آخر في صراع الأقراص، بل أن تحفظ توازن المائدة؛ فتمنع الجشع، وتحمي المستهلك، وتيسر النشاط التجاري، وتضمن أن تكون الرقابة علاجاً للخلل، لا سبباً في اختناق السوق.
إنها دائرة واحدة؛ إذا اختلّ فيها طرف، لم ينجُ الآخرون.
وقد أدرك ابن خلدون، قبل قرو ن ، أن العمران لا يزدهر مع الإفراط في الأعباء ، فكلما زادت الأثقال على النشاط الاقتصادي ؛ انكمشت حركته. وفي الاقتصاد الحديث ؛ لا يُقاس التضخم بارتفاع الأسعار وحده، بل بما يفعله ذلك الارتفاع في القوة الشرائية؛ أي في قدرة الإنسان على أن يعيش بالمال نفسه الذي كان يعيش به من قبل.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
المحلات بدأت تفرغ، وبعضها يغلق أبوابه. المؤجر يريد عائداً أعلى، والتاجر يقف حائراً بين الإيجار وتكاليف التشغيل والرسوم والغرامات وضعف المبيعات، والمستهلك ينتظر الفرج، والجهات المنظمة تراقب المشهد بحثاً عن التوازن.
والكل، في نهاية المطاف ؛ يحاول أن يحمي قرصه.
لكن السوق لا يمكن أن يقوم على أن يربح طرفٌ بخسارة الجميع.
ومن هنا ، فإن المعيشة خطٌّ أحمر؛ لأنها ليست شأناً تجارياً محضاً، بل قضية استقرار اجتماعي واقتصادي. ولذلك نحتاج إلى منصة للتوازن المعيشي، ترصد حركة الأسعار، والقوة الشرائية، والإيجارات، وتكاليف التشغيل، والغرامات، وتقرأ مؤشرات الخلل قبل أن يتحول إلى إغلاق أو إفلاس أو موجة ارتفاع جديدة.
منصة تجمع أطراف المعادلة: المؤجر، والتاجر، والمستهلك، والجهات المنظمة؛ لا لتضيف عبئاً جديداً، بل لتمنع تراكم الأعباء حتى ينفجر السوق.
فالتاجر ليس عدواً للمستهلك، والمستهلك ليس خصماً للتاجر، والمؤجر ليس خارج المعادلة، والجهات المنظمة ليست خصماً لأحد. الجميع في سفينة واحدة؛ وإذا ثقب أحدهم جانبها، فلن يغرق طرف وحده.
إننا لا نحتاج إلى سوقٍ يأكل فيه كل طرف قرصه منفرداً، بل إلى مائدةٍ تحفظ لكل طرف نصيبه، وتحمي القرص من الاحتراق.
فإذا ظلّ كلٌّ يهفّ على قرصه، فربما جاء اليوم الذي تحترق فيه المائدة، ولا يجد أحدٌ ما يأكله.











